“قرطاج الاقتصادية” تعود من بوابة الذهب الأخضر: كمال الناوي يطرح رؤية تونس لقيادة سوق زيت الزيتون العالمية

لم تكن قرطاج مجرد مدينة عابرة في التاريخ، بل كانت إمبراطورية تجارية سيطرت لقرون على طرق التجارة في البحر الأبيض المتوسط، وفرضت نفوذها الاقتصادي بفضل قدرتها على التحكم في حركة السلع والثروات. واليوم، وبعد آلاف السنين، تعود قرطاج إلى الواجهة ولكن بصيغة جديدة، عنوانها الأسواق المالية وتداول السلع الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، كشف كمال الناوي، أستاذ المالية ومدير مخبر المخاطر المالية بالمدرسة العليا للتجارة، عن ملامح مشروع اقتصادي طموح يحمل رؤية جديدة لمستقبل تونس المالي، وذلك خلال تظاهرة اقتصادية وعلمية بعنوان “الإمكانات المالية لتونس: المنتجات المبتكرة وسوق السلع الأساسية”.
ويطمح الناوي من خلال هذه المبادرة إلى ربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي الحقيقي، عبر تقديم حلول عملية لقضايا ترتبط بالسيادة الاقتصادية وتسعير السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها زيت الزيتون.
زيت الزيتون… الذهب الأخضر الذي تبحث تونس عن استعادة قيمته
يُعتبر زيت الزيتون أحد أهم أعمدة الاقتصاد التونسي، ليس فقط باعتباره منتجا فلاحيا، بل كرمز وطني يحمل قيمة اقتصادية وتاريخية كبرى. وتحتل تونس مكانة متقدمة عالميا في إنتاج وتصدير زيت الزيتون، حيث تمكنت خلال الفترة الأخيرة من تحقيق نمو كبير في الصادرات تجاوز 60 بالمائة.
لكن خلف هذه الأرقام الإيجابية، تكمن معضلة حقيقية تتمثل في تراجع العائدات المالية بنسبة لافتة، بسبب خضوع الأسعار لتقلبات الأسواق العالمية وهيمنة البورصات الأجنبية على تحديد السعر المرجعي للمنتج التونسي.
وهنا تحديدا يبرز السؤال الكبير الذي طرحه كمال الناوي: كيف يمكن لتونس، وهي من أكبر المنتجين عالميا، أن تبقى عاجزة عن تحديد سعر منتجها الاستراتيجي؟
“قرطاج لتداول السلع”… مشروع يعيد رسم مستقبل الاقتصاد التونسي
ضمن هذا السياق، برز مشروع “قرطاج لتداول السلع والمواد الأولية” كمبادرة تحمل أبعادا استراتيجية عميقة، إذ يهدف إلى إنشاء سوق تونسية منظمة للسلع الأساسية، تعتمد على آليات العرض والطلب المحلية لتحديد الأسعار، بدل الارتهان للأسواق الأوروبية.
ويرى كمال الناوي أن هذا المشروع لا يتعلق فقط بإحداث منصة مالية جديدة، بل بمحاولة إعادة بناء السيادة الاقتصادية التونسية، عبر تمكين المنتجين والمصدرين من التحكم في قيمة منتجاتهم داخل تونس نفسها.
ويؤكد أن تونس تمتلك الإمكانيات والخبرات الضرورية لتطوير منصة إقليمية متخصصة في تداول السلع الأساسية، لا تقتصر فقط على زيت الزيتون، بل تشمل مستقبلا منتجات استراتيجية أخرى مثل التمور.
كما يرى أن نجاح هذا المشروع قد يحول تونس إلى مرجع عالمي لتسعير زيت الزيتون، تماما كما كانت قرطاج قديما مرجعا تجاريا أساسيا في المتوسط.
من بورصة تقليدية إلى مركز عالمي للسلع الاستراتيجية
المشروع المطروح يحمل رؤية أوسع تقوم على تطوير منصة إقليمية لتداول المواد الأولية والمنتجات الفلاحية ذات القيمة العالية، بما يسمح لتونس بالتحول من مجرد مصدر للمواد الخام إلى لاعب مؤثر في تحديد الأسعار العالمية.
كما أن إدراج زيت الزيتون في البورصة من شأنه أن يحدث نقلة نوعية في الاقتصاد التونسي، عبر:
- تعزيز الشفافية في عمليات البيع والتسعير.
- تقليص دور الوسطاء والمضاربين.
- توفير أسعار مرجعية مستقرة وواضحة.
- تحسين قدرة الفلاحين والمصدرين على التخطيط والاستثمار.
- جذب المستثمرين والأسواق الدولية نحو تونس.
ويرى المختصون أن هذه الخطوة قد تجعل من بورصة تونس واحدة من أهم المنصات العالمية المتخصصة في تداول زيت الزيتون، بما يمنح البلاد ثقلا اقتصاديا غير مسبوق.
العقود الآجلة… أدوات حديثة لحماية الفلاح والاقتصاد
من بين أبرز النقاط التي شدد عليها كمال الناوي، أهمية اعتماد العقود الآجلة والمنتجات المشتقة، وهي أدوات مالية تستخدم عالميا لحماية المنتجين من تقلبات الأسعار المفاجئة.
وتسمح هذه الآليات للفلاحين والمصدرين بتحديد أسعار مستقبلية لمنتجاتهم، ما يوفر قدرا أكبر من الاستقرار المالي ويقلل من المخاطر المرتبطة بالأزمات الاقتصادية والتغيرات العالمية.
غير أن اعتماد هذه الأدوات في تونس يظل مرتبطا بضرورة تحديث الإطار التشريعي والرقابي، حتى يتم توظيفها كوسائل لحماية الاقتصاد الوطني، وليس كمجالات للمضاربة غير المنظمة.
هل تستعيد قرطاج مجدها الاقتصادي من بوابة زيت الزيتون؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد نقاش أكاديمي أو مشروع مالي محدود، بل هو محاولة لإعادة تموقع تونس داخل الاقتصاد العالمي، عبر استثمار أحد أهم مواردها الطبيعية وأكثرها رمزية.
فبين تاريخ قرطاج التجاري العريق، والرؤية الاقتصادية التي يطرحها كمال الناوي، تبدو الفرصة حقيقية لبناء نموذج اقتصادي جديد يمنح البلاد استقلالية أكبر في تحديد قيمة ثرواتها.
وقد يكون زيت الزيتون، الذي رافق الحضارات المتوسطية منذ آلاف السنين، هو المفتاح الذي تعود به قرطاج مجددا إلى قلب التجارة العالمية… لكن هذه المرة من بوابة البورصة والأسواق المالية الحديثة.



