وطنية

العامرة تغيّر المشهد: آلاف المهاجرين غير النظاميين يختارون العودة الطوعية

في مشهد يعكس تحوّلا لافتا في ملف الهجرة غير النظامية بتونس، ارتفع عدد المهاجرين من دول جنوب الصحراء الذين عادوا طوعيا إلى بلدانهم إلى أكثر من 4200 مهاجر، منذ انطلاق برنامج التدخل الإنساني للعودة الطوعية في جويلية 2025، وذلك وسط نسق متصاعد من الطلبات على مغادرة الأراضي التونسية والعودة إلى الأوطان الأصلية.

وبات مخيم العودة الطوعية بمنطقة العامرة من ولاية صفاقس عنوانا لهذا التحول، بعد أن تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى نقطة عبور إنسانية للمهاجرين الراغبين في إنهاء رحلة الهجرة التي اصطدمت بتشديد الرقابة على السواحل الأوروبية وتراجع فرص العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط.

[العامرة التي كانت قبل أشهر عنوانا للتوتر والمخيمات العشوائية… أصبحت اليوم محطة للعودة الطوعية]

ووفق معطيات ميدانية، يتصدر المهاجرون القادمون من غينيا كوناكري قائمة العائدين طوعيا بحوالي ألفي مهاجر، يليهم الإيفواريون بأكثر من ألف شخص، فيما توزعت بقية الأعداد على جنسيات إفريقية متعددة من بينها الكاميرون ومالي ونيجيريا والسنغال وبوركينا فاسو والكونغو والنيجر وغامبيا.

ويستقبل مخيم العودة الطوعية بالكلم 21 بمعتمدية العامرة بشكل شبه يومي مهاجرين جددا يمتلكون وثائق هوية أو جوازات سفر، حيث يتم التكفل بهم إلى حين تنظيم رحلات العودة نحو بلدانهم. وقد استقبل المخيم الثلاثاء 57 مهاجرا إضافيا، ليرتفع عدد المقيمين داخله إلى أكثر من 420 شخصا، نصفهم تقريبا من حاملي الجنسية الإيفوارية.

وتستعد السلطات المشرفة على البرنامج خلال الأيام القادمة لتنظيم رحلتين خاصتين نحو الكوت ديفوار، الأولى ستؤمن عودة حوالي 150 مهاجرا، والثانية ستشمل نحو 120 شخصا إضافيا، في مؤشر واضح على تزايد الإقبال على خيار العودة الطوعية.

داخل المخيم، تتواصل عمليات الإحاطة الإنسانية بالمهاجرين عبر توفير الإقامة والأكل والعلاج والرعاية الصحية، إلى جانب تنظيم عمليات نقل للراغبين في اقتناء مستلزماتهم قبل السفر.

[الرهان لم يعد أمنيا فقط… بل أصبح اختبارا لصورة تونس الإنسانية أمام العالم]

وفي هذا السياق، أكد ممثل عن الهلال الأحمر التونسي بجبنيانة أن العمل داخل المخيم يتم في إطار تنسيق متواصل مع مختلف الأطراف المتدخلة، بهدف تأمين ظروف إقامة تحفظ كرامة المهاجرين، خاصة النساء والأطفال والرضع، مع تنظيم قوافل صحية ومتابعة الحالات الاستعجالية.

كما كشف عدد من المهاجرين في تصريحات متطابقة أنهم اختاروا العودة طوعيا بعد أن أصبحت محاولات الوصول إلى السواحل الإيطالية أكثر صعوبة وتعقيدا، في ظل تشديد المراقبة البحرية وتنامي المخاطر.

وفي الأثناء، تبدو منطقة العامرة وكأنها تدخل مرحلة جديدة بعد أشهر طويلة من الضغط والتوتر بسبب انتشار المخيمات العشوائية، خاصة مع مواصلة عمليات تفكيك الخيام وإعادة الأراضي الفلاحية إلى أصحابها.

وبين البعد الإنساني والرهانات الأمنية والسياسية، يظل ملف الهجرة غير النظامية أحد أكثر الملفات حساسية في تونس، لكنه يكشف أيضا أن الحلول الواقعية قد لا تكون دائما في البحر… بل أحيانا في طريق العودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى