اقتصاد

العربي بن بوهالي: الاقتصاد التونسي يحقق نموا هشّا رغم تدفق الاستثمارات الأجنبية

في قراءة اقتصادية معمّقة للمشهد التونسي خلال الربع الأول من عام 2026، قدّم الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي تشخيصًا دقيقًا لحالة الاقتصاد الوطني، معتبرًا أن نسبة النمو المسجّلة والبالغة 2.6% لا تعبّر عن تعافٍ اقتصادي حقيقي بقدر ما تعكس “نموًا هشًا” فرضته ظروف استثنائية، أبرزها تدفّق الاستثمارات الأجنبية وتحسّن الموسم الزراعي بفعل الأمطار.

ويؤكد العربي بن بوهالي أن الاقتصاد التونسي ما يزال يتحرك داخل دائرة ضيقة من الاختلالات البنيوية، رغم المؤشرات الإيجابية الظرفية التي ظهرت خلال الأشهر الأولى من السنة، مشددًا على أن تحقيق نمو مستدام يتطلب إصلاحات مالية ونقدية عميقة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.

العربي بن بوهالي: النمو الحالي لا يعكس قوة الاقتصاد بل هشاشته

يرى العربي بن بوهالي أن قراءة نسبة النمو البالغة 2.6% يجب ألا تكون قراءة سطحية أو احتفالية، لأن الاقتصاد التونسي شهد في الواقع انكماشًا فصليًا جديدًا بنسبة -0.3% خلال الربع الأول من 2026، بعد انكماش مماثل تقريبًا بلغ -0.2% في الفترة ذاتها من عام 2025.

وبحسب تحليله، فإن هذا التراجع الموسمي أصبح يعكس نمطًا اقتصاديًا متكررًا يرتبط بارتفاع الواردات، وضعف الإنفاق الحكومي، وتباطؤ النشاط الاقتصادي خلال فصل الشتاء، إضافة إلى العبء الكبير الذي يفرضه قطاع الطاقة على المالية العمومية والنمو العام.

ويشير العربي بن بوهالي إلى أن الاقتصاد التونسي ما يزال يعاني من ضعف القدرة الإنتاجية الحقيقية، وأن نسبة النمو الحالية جاءت مدفوعة بعوامل خارجية ومؤقتة أكثر من كونها نتيجة إصلاحات اقتصادية هيكلية.

الاستثمار الأجنبي والأمطار… ركيزتان صنعتا “النمو الهش”

في تحليله، يربط العربي بن بوهالي مباشرة بين ارتفاع النمو الاقتصادي وبين التدفقات القياسية للاستثمار الأجنبي المباشر، التي بلغت 3.5 مليار دينار خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 30% مقارنة بعام 2024، إضافة إلى 840 مليون دينار أخرى خلال الربع الأول من 2026.

ويعتبر أن هذه الاستثمارات، إلى جانب الموسم الزراعي الممتاز الناتج عن وفرة الأمطار، ساهمت في رفع إنتاج زيت الزيتون والتمور والقمح، وهو ما منح الاقتصاد دفعة ظرفية ساعدته على تحقيق نسبة النمو الحالية.

لكن العربي بن بوهالي يحذّر من أن الاعتماد على المواسم الزراعية أو التحولات الجيوسياسية الدولية لا يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لبناء اقتصاد قوي، خصوصًا في ظل استمرار ضعف القطاعات الصناعية والمالية والإنتاجية الحيوية.

قطاع الخدمات يقود النمو… لكن الصناعة والبنوك في دائرة القلق

يشير العربي بن بوهالي إلى أن قطاع الخدمات كان المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، بعدما ساهم وحده بـ1.38% من إجمالي نسبة النمو، مقابل 0.61% للقطاع الزراعي و0.45% فقط للقطاع الصناعي.

ويبرز في هذا السياق النمو اللافت لقطاعات التكنولوجيا والاتصالات والصحة والتعليم والطاقة، معتبرًا أن هذه المجالات تمثل مستقبل الاقتصاد التونسي وقدرته على خلق فرص العمل ورفع الإيرادات الجبائية للدولة.

غير أن الخبير الاقتصادي التونسي يلفت الانتباه إلى الوجه الآخر للصورة، حيث لا تزال عدة قطاعات رئيسية تعاني من انكماش حاد، على غرار قطاع البناء بنسبة -7.1%، وقطاع استخراج النفط والغاز بنسبة -4.8%، وقطاع النسيج بنسبة -5.8%، إضافة إلى تراجع قطاع الصناعات الكيميائية بنسبة -11.5%.

ويرى العربي بن بوهالي أن الأزمة الحقيقية تكمن في تقلّص دور البنوك التجارية، التي واصلت تقليص القروض الموجهة للقطاع الخاص، ما أدى إلى خنق الاستثمار المحلي وتعطيل توسع المؤسسات الاقتصادية.

العربي بن بوهالي: القطاع الخاص يوجّه رسالة واضحة للدولة والبنك المركزي

من خلال قراءته للمشهد الاقتصادي، ينقل العربي بن بوهالي ما وصفه برسالة واضحة من القطاع الخاص إلى الحكومة والبنك المركزي التونسي، مضمونها أن تحسين مناخ الاستثمار لا يمكن أن يتحقق دون إصلاحات جذرية.

ويشدد على ضرورة خفض الضرائب المفروضة على الشركات، وتقليص نسبة الفائدة إلى حدود 5%، إضافة إلى إطلاق مشاريع كبرى في البنية التحتية تشمل الطرقات والموانئ والمطارات والطاقة والجامعات ومراكز البيانات.

ويؤكد العربي بن بوهالي أن القطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، مستعد لضخ استثمارات أكبر وخلق فرص عمل واسعة، شرط توفر بيئة اقتصادية مستقرة ومشجعة على الإنتاج والتصدير.

سوق الشغل يتنفس… لكن الاقتصاد ما يزال هشًا

ومن بين النقاط الإيجابية التي أبرزها العربي بن بوهالي، الارتفاع اللافت في عدد الوظائف الجديدة، حيث تم خلق 16,500 موطن شغل خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بـ2,700 فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

ويعتبر أن هذه القفزة تعكس التأثير المباشر للاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاع الصناعات التحويلية والقطاع الزراعي، وهو ما ساهم في خفض معدل البطالة إلى حدود 15%.

لكن العربي بن بوهالي ينبّه إلى أن هذا التحسن يبقى محدودًا إذا لم يتحول إلى ديناميكية اقتصادية طويلة الأمد، قادرة على خلق وظائف مستقرة وتحقيق قيمة مضافة عالية داخل الاقتصاد الوطني.

العربي بن بوهالي يحذّر: الاقتصاد يُموَّل بالديون لا بالإنتاج

في واحدة من أبرز خلاصات تحليله، يعبّر العربي بن بوهالي عن قلقه من اعتماد النمو الحالي على الاستهلاك المحلي والاقتراض أكثر من اعتماده على الإنتاج والتصدير.

فبحسب قراءته، فإن 75% من الناتج المحلي التونسي يقوم أساسًا على الاستهلاك الداخلي، بينما ارتفع الطلب المحلي بنسبة 5.2% نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع ديون الأسر، التي بلغت نحو 12,500 دينار لكل مواطن تونسي.

ويرى أن الحكومة الحالية “تنفق أموالًا لا تملكها”، معتمدة على التوسع في الاقتراض وترك عبء السداد للأجيال القادمة، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق أزمة الدين والعجز المزدوج، سواء على مستوى الميزانية أو الميزان التجاري.

صندوق النقد والبنية التحتية… الحل الذي يراه العربي بن بوهالي

وفي ختام تحليله، يدعو العربي بن بوهالي الحكومة التونسية إلى تبني رؤية اقتصادية أكثر جرأة تقوم على التعاون مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويلات منخفضة الفائدة تُوجَّه نحو مشاريع البنية التحتية الكبرى.

ويعتبر أن بناء جامعات حديثة ومستشفيات وموانئ ومطارات وقطارات ومراكز بيانات جديدة سيكون المدخل الحقيقي لتحويل الاقتصاد التونسي من اقتصاد استهلاكي هش إلى اقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة والتصدير.

كما يحذّر العربي بن بوهالي من التداعيات المحتملة لارتفاع التضخم العالمي وتكاليف الطاقة، خاصة في ظل التوترات الدولية والحرب الأمريكية الإيرانية، مؤكدًا أن هذه العوامل قد تضغط بقوة على كلفة الإنتاج والعجز التجاري والنمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

وفي المحصلة، تبدو قراءة العربي بن بوهالي للاقتصاد التونسي بمثابة جرس إنذار اقتصادي، يكشف أن الأرقام الإيجابية الحالية لا تكفي وحدها لإخفاء هشاشة البنية الاقتصادية، وأن تونس تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إصلاحات حقيقية تُعيد بناء الثقة وتؤسس لنمو مستدام وعادل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى