وطنية

الامتحانات الوطنية في تونس: حين يتحوّل “النجاح الدراسي” إلى امتحان للعائلة قبل التلميذ

مع دخول موسم الامتحانات الوطنية في تونس، لا يشتعل التوتر داخل الأقسام فحسب، بل يمتد سريعًا إلى البيوت، حيث تتحول البكالوريا وامتحان “النوفيام” من محطة تربوية إلى اختبار اجتماعي ثقيل الظل، تُقاس فيه أحيانًا صورة العائلة أكثر من مستوى التلميذ.

البكالوريا والنوفيام.. امتحانات تتجاوز جدران المدرسة

يجتاز هذا الموسم أكثر من 151 ألف مترشح امتحان البكالوريا، إلى جانب آلاف التلاميذ الذين يستعدون لمناظرة ختم التعليم الأساسي، في مشهد سنوي يعيد إنتاج نفس التوتر داخل آلاف الأسر.

لكن ما يلفت الانتباه، بحسب متابعين للشأن التربوي، أن هذه الامتحانات لم تعد تُقرأ فقط كمسار تعليمي، بل كعتبة فاصلة تحدد مستقبل الفرد، وأحيانًا موقع العائلة داخل محيطها الاجتماعي.

ضغط اجتماعي يتسلل إلى داخل البيوت

في حديثه عن هذه الظاهرة، يوضح الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي أن الامتحانات الوطنية تحولت لدى جزء من العائلات إلى “مؤشر نجاح جماعي”، لا يخص التلميذ وحده بل يمتد ليشمل صورة الأسرة و”سمعتها” في المجتمع.

هذا التحول جعل عبارات يومية بسيطة تحمل دلالات ثقيلة، من قبيل “عندنا باك”، لتصبح الشهادة رمزًا اجتماعيًا يُستدعى في النقاشات العائلية وفي المقارنات بين البيوت، أكثر مما يُنظر إليها كمرحلة تعليمية عابرة.

بين هاجس النجاح وخوف الإخفاق

ورغم أن نسب النجاح في البكالوريا لا تزال متذبذبة من سنة إلى أخرى، فإن قيمتها الرمزية لم تتراجع، بل ازدادت حضورًا في المخيال الاجتماعي، باعتبارها بوابة للترقي الاجتماعي وتحسين الوضع الاقتصادي.

هذا الهاجس يجعل فترات المراجعة النهائية تتحول أحيانًا إلى ضغط نفسي متصاعد، حيث يختلط الخوف من الرسوب بتوقعات العائلة، في معادلة لا يكون فيها التلميذ وحده في مواجهة الامتحان.

التلميذ في قلب المعادلة.. بين الدعم والضغط

يرى مختصون أن التحضير الحقيقي للنجاح لا يبدأ في الأسابيع الأخيرة، بل هو مسار طويل يتشكل منذ سنوات الدراسة الأولى، ما يجعل الضغط المكثف في اللحظات الأخيرة غير مجدٍ تربويًا، بل قد يزيد من القلق والتوتر.

وفي هذا السياق، يدعو الباحثون إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين العائلة والامتحان، عبر التركيز على الدعم النفسي والمرافقة الهادئة، بدل تحويل النجاح أو الفشل إلى “حكم اجتماعي” يثقل كاهل التلميذ أكثر مما يساعده.

فالامتحان، في جوهره، يبقى محطة تقييم للمعارف، لا امتحانًا لهوية العائلة أو مكانتها داخل المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى