مياه مجهولة المصدر تغزو الأحياء الشعبية: تحذيرات من خطر صحي صامت يهدد التونسيين
مياه رخيصة الثمن... لكن بكلفة صحية باهظة

عاد ملف المياه مجهولة المصدر إلى الواجهة بعد تحذيرات أطلقها الخبير في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي، الذي دعا إلى الحذر من استهلاك هذه المياه المنتشرة خاصة في الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية.
وأكد الرحيلي أن هذه المياه تُباع خارج أي رقابة صحية أو مخبرية، ما يجعلها غير مطابقة لأبسط المعايير المعتمدة لمياه الشرب، وهو ما قد يحولها إلى مصدر محتمل لمخاطر صحية يصعب تقدير تداعياتها على المستهلكين.
الفقر يدفع نحو البدائل الخطرة
وراء انتشار هذه الظاهرة تكمن معادلة اقتصادية معقدة، إذ يجد عدد متزايد من المواطنين أنفسهم عاجزين عن تحمل كلفة اقتناء المياه المعلبة بشكل يومي.
وبحسب المعطيات التي قدمها الخبير، فإن فاتورة استهلاك المياه المعلبة يمكن أن تتجاوز 130 دينارًا شهريًا للأسرة الواحدة، وهو مبلغ يفوق قدرة العديد من العائلات، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، حتى وإن كانت مجهولة المصدر.
تراجع الثقة في مياه الحنفيات
لا يرتبط الإقبال على المياه المجهولة المصدر بالعامل المالي فقط، بل يعكس أيضًا أزمة ثقة متنامية في جودة مياه الشرب الموزعة عبر الشبكة العمومية.
وفي هذا السياق، أشار الرحيلي إلى أن تونس تحتل مرتبة متقدمة عالميًا في استهلاك المياه المعلبة مقارنة بعدد السكان، وهو مؤشر يعتبره نتيجة مباشرة لتراجع ثقة المستهلك في مياه الحنفيات وسعيه إلى البحث عن بدائل يعتقد أنها أكثر جودة.
دعوات لتشديد الرقابة ومواجهة الظاهرة
حمّل الخبير أجهزة الدولة والهياكل الرقابية مسؤولية التصدي لهذه التجارة غير المنظمة، داعيًا إلى تكثيف المراقبة الميدانية ومنع بيع المياه مجهولة المصدر التي تنتشر عبر الباعة المتجولين وفي بعض النقاط العشوائية.
ويرى أن استمرار هذه الظاهرة دون رقابة يمثل تهديدًا للصحة العامة، خاصة في ظل غياب أي ضمانات تتعلق بمصدر المياه أو ظروف نقلها وخزنها.
الحل يبدأ من تحسين جودة مياه الشرب
في المقابل، شدد الرحيلي على أن المعالجة الأمنية والرقابية وحدها لا تكفي، بل يجب معالجة جذور المشكلة عبر تحسين جودة مياه الشرب العمومية.
ودعا إلى تطوير تقنيات المعالجة وتجديد قنوات توزيع المياه القديمة، بما يعزز ثقة المواطنين في المياه الموزعة عبر الشبكة الوطنية ويقلل من الاعتماد على البدائل المكلفة أو غير الآمنة.
معركة ثقة قبل أن تكون معركة مياه
تكشف هذه التحذيرات عن تحدٍّ يتجاوز مجرد استهلاك المياه، ليصل إلى مسألة الثقة في الخدمات الأساسية. فكلما تراجعت ثقة المواطن في جودة المياه العمومية، ازدادت مساحة الأسواق الموازية والمنتجات غير الخاضعة للرقابة.
وبين الحاجة إلى مياه آمنة والضغوط الاقتصادية المتزايدة، تبدو معركة تأمين الحق في مياه شرب ذات جودة مقبولة واحدة من أبرز الملفات التي ستفرض نفسها بقوة خلال السنوات القادمة.


