الجبابلي: 4500 مهاجر غادروا تونس طوعاً.. هل بدأت خريطة الهجرة غير النظامية تتغيّر؟

في تطور لافت داخل أحد أكثر الملفات حساسية في تونس، كشفت وزارة الداخلية عن عودة نحو 4500 مهاجر غير نظامي من دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى بلدانهم الأصلية في إطار برنامج العودة الطوعية. رقم لا يمر مرور الكرام، خاصة أنه يأتي في سياق تصاعد الجهود الأمنية والإنسانية لمعالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى تحدٍّ وطني وإقليمي معقد.
وتعتبر هذه الحصيلة من أبرز النتائج المسجلة منذ إطلاق برنامج العودة الطوعية، ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح المقاربة التونسية في تغيير واقع الهجرة غير النظامية على الأرض.
من صفاقس انطلقت العملية.. ومن هناك بدأت النتائج تظهر
البداية كانت خلال صائفة 2025 عندما قررت السلطات إحداث مخيم مخصص للعودة الطوعية بمنطقة العامرة من ولاية صفاقس، بعد أن تحولت الجهة إلى إحدى أبرز نقاط تجمع المهاجرين غير النظاميين. في ذلك الوقت كان التحدي يتمثل في إيجاد حل إنساني ومنظم لآلاف المهاجرين الموجودين في ظروف معقدة.
ومع مرور الأشهر، توسعت عمليات التنسيق مع السفارات والقنصليات الإفريقية، وتم تسهيل استخراج وثائق العبور للمهاجرين الذين لا يملكون جوازات سفر، وهو ما ساهم في تسريع نسق العودة وفتح الباب أمام أعداد متزايدة للاستفادة من البرنامج.
ارتفاع الإقبال يكشف تحولاً في المشهد
المعطيات الرسمية الأخيرة تكشف أن العودة الطوعية لم تعد خياراً محدوداً، بل أصبحت توجهاً متنامياً بين المهاجرين غير النظاميين. فخلال أسبوع واحد فقط تم نقل 420 شخصاً إلى مركز العودة الطوعية لاستكمال الإجراءات اللازمة قبل مغادرتهم تونس.
هذا الرقم يعكس تحولاً مهماً في المشهد، ويشير إلى أن عدداً متزايداً من المهاجرين بات يفضل العودة الآمنة والمنظمة على مواصلة رحلات محفوفة بالمخاطر نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
الضغط الأمني يغيّر قواعد اللعبة
بالتوازي مع البعد الإنساني، واصلت الوحدات الأمنية تشديد الخناق على شبكات تنظيم الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. وقد ساهم تعزيز المراقبة البحرية والبرية خلال السنوات الأخيرة في الحد من محاولات التسلل والإبحار السري، ما أدى إلى تضييق هامش تحرك الشبكات الناشطة في هذا المجال.
ويرى مراقبون أن هذا الضغط المتواصل ساهم في إعادة رسم المعادلة على الأرض، حيث أصبح خيار العودة الطوعية أكثر واقعية بالنسبة إلى عدد كبير من المهاجرين مقارنة بالمخاطر المتزايدة للهجرة السرية.
تونس تراهن على مقاربة مختلفة
بحسب الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني، العميد حسام الدين الجبابلي، فإن النتائج المحققة تؤكد نجاح المقاربة التونسية القائمة على التوفيق بين احترام حقوق الإنسان وفرض القانون.
ويبدو أن السلطات تراهن اليوم على تعزيز هذا المسار خلال المرحلة المقبلة، عبر مواصلة برامج العودة الطوعية وتكثيف الجهود الأمنية في الوقت نفسه، في محاولة لإدارة ملف الهجرة غير النظامية وفق رؤية تجمع بين البعد الإنساني ومتطلبات الأمن والاستقرار.
رسالة الأرقام: التحول بدأ بالفعل
بعيداً عن الجدل السياسي والإعلامي الذي يرافق ملف الهجرة، تفرض الأرقام نفسها كأحد أهم المؤشرات على ما يجري ميدانياً. فعودة 4500 مهاجر إلى بلدانهم الأصلية ليست مجرد حصيلة إدارية، بل تطور يعكس تغيرات حقيقية داخل مسار الهجرة غير النظامية في تونس، ويؤكد أن هذا الملف دخل مرحلة جديدة تختلف في كثير من تفاصيلها عن السنوات الماضية.




