تونس تودّع عصر الصكوك؟.. الأرقام تكشف تحوّلاً مالياً غير مسبوق نحو الدفع الرقمي

تشهد المنظومة المالية في تونس تحولات متسارعة قد تعيد رسم مشهد المعاملات النقدية خلال السنوات القادمة. فالأرقام الصادرة عن البنك المركزي التونسي بشأن الثلاثي الأول من سنة 2026 تكشف بوضوح أن وسائل الدفع الرقمية تواصل اكتساحها للسوق، في مقابل تراجع متواصل للمعاملات التقليدية وعلى رأسها الصكوك الورقية.
هذا التحول لم يعد مجرد توجه محدود أو ظرفي، بل أصبح مؤشراً على تغيير عميق في سلوك الأفراد والمؤسسات، مدفوعاً بتطور الخدمات البنكية الرقمية وتوسع التجارة الإلكترونية وانتشار حلول الدفع عبر الهاتف المحمول.
أكثر من 7 مليارات دينار عبر المنظومات الرقمية
المعطيات الرسمية تؤكد أن القيمة الجملية لعمليات الاستخلاص والسحب المنجزة عبر المنظومات النقدية بلغت خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية نحو 7.3 مليارات دينار، موزعة على أكثر من 41 مليون عملية.
وتعكس هذه الأرقام نمواً لافتاً مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، حيث ارتفعت قيمة المعاملات بنسبة 12.5 بالمائة، فيما زاد عدد العمليات بنسبة 11.7 بالمائة، وهو ما يؤكد توسع الاعتماد على الحلول الرقمية في الحياة اليومية للتونسيين.
الدفع عبر الهاتف والتجارة الإلكترونية يقودان النمو
يرى متابعون أن القفزة المسجلة في المؤشرات الرقمية ترتبط أساساً بالانتشار المتسارع لخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول وتطور التجارة الإلكترونية، التي أصبحت تستقطب أعداداً متزايدة من المستهلكين والمؤسسات.
وقد ساهمت هذه الخدمات في تسهيل المعاملات المالية وتقليص الحاجة إلى التعامل النقدي المباشر، خاصة مع تنامي ثقة المستخدمين في الحلول الرقمية وتطور البنية التحتية التكنولوجية للقطاع البنكي.
الصكوك الورقية تخسر موقعها تدريجياً
في المقابل، سجلت الصكوك الورقية أحد أكبر التراجعات خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر اعتبره خبراء بداية تحول هيكلي داخل المنظومة المالية التونسية.
فبحسب بيانات البنك المركزي، انخفض عدد المعاملات المنجزة بواسطة الصكوك بنسبة تقارب 25 بالمائة، فيما تراجعت قيمتها بنحو 28 بالمائة لتستقر عند 11.5 مليار دينار فقط خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة.
وتكشف هذه الأرقام أن الصك، الذي ظل لعقود من أكثر وسائل الدفع انتشاراً في تونس، بدأ يفقد تدريجياً مكانته لصالح بدائل أسرع وأكثر أماناً ومرونة.
التحويلات البنكية تفرض نفسها بقوة
التحويلات البنكية كانت من أبرز المستفيدين من هذا التحول، حيث تجاوزت قيمتها 19.5 مليار دينار خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، مسجلة نمواً بنسبة 8.7 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ويعكس هذا التطور اعتماد المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين بشكل متزايد على التحويلات المباشرة باعتبارها أداة أكثر فعالية في إدارة المدفوعات وتسوية المعاملات المالية.
هل دخلت تونس مرحلة جديدة من الرقمنة المالية؟
بعيداً عن الأرقام المجردة، تكشف المؤشرات الأخيرة أن تونس تسير بخطى ثابتة نحو اقتصاد أقل اعتماداً على الأدوات التقليدية وأكثر انفتاحاً على الحلول الرقمية. فالتراجع المتواصل للصكوك مقابل الصعود السريع للدفع الإلكتروني والتحويلات البنكية لا يمثل مجرد تغيير في وسائل الدفع، بل يعكس تحولاً أعمق في الثقافة المالية وفي طريقة إدارة المعاملات الاقتصادية.
ومع استمرار هذا النسق التصاعدي، يبدو أن السنوات المقبلة قد تشهد انتقالاً أكثر وضوحاً نحو مجتمع مالي رقمي، تصبح فيه التطبيقات البنكية والدفع الإلكتروني الخيار الأول للأفراد والمؤسسات على حد سواء.




