قيس سعيّد يفتح باب “الصلح الجزائي” من جديد.. رسائل صارمة ضد الابتزاز وتأكيد على استرجاع أموال الدولة

أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ملف الصلح الجزائي إلى واجهة النقاش الوطني، معلنًا عن فتح فرصة جديدة أمام المتورطين داخل تونس وخارجها لإبرام تسويات قانونية، تُعرض لاحقًا على مجلس الأمن القومي، وذلك خلال لقائه برئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي علي عباس بقصر قرطاج.
هذا الإعلان يأتي في سياق مسار متعثر عرف عدة محطات منذ طرح فكرة الصلح لأول مرة، قبل أن يعود اليوم بخطاب أكثر تشددًا في الشكل وأكثر وضوحًا في الهدف، وفق ما ورد في الموقف الرئاسي الأخير.
“لا محاكم تصفية حسابات”.. خطاب يوازن بين الصرامة والتهدئة
شدّد رئيس الدولة على أن مسار الصلح الجزائي لا يهدف إلى تصفية الحسابات مع أي طرف، بل يقوم أساسًا على استرجاع الأموال التي يعتبرها الدولة “منهوبة”، وإعادتها إلى الشعب.
وفي لهجة حاسمة، أكد أن “لا مجال للتنكيل”، وأن من يختار الانخراط في مسار الصلح سيغادر ما وصفها بـ“غياهب السجون” بعد إتمام الإجراءات، في إشارة إلى أن المقاربة تقوم على التسوية مقابل الاسترجاع وليس على العقاب المفتوح.
شروط سياسية واقتصادية.. “المليم يعود إلى الشعب”
الخطاب الرئاسي وضع محددًا واضحًا للصلح الجزائي: إعادة كل “مليم” تم نهبه، وفق تعبيره، إلى خزينة الدولة. كما دعا إلى إنهاء ما اعتبره محاولات الابتزاز أو المساومة، مشددًا على أن الفرصة المطروحة اليوم يجب أن تُغلق في أقرب الآجال دون إطالة أو تعطيل إداري.
وفي سياق متصل، أعاد رئيس الجمهورية التذكير بفكرة توجيه المشاريع الناتجة عن الصلح نحو المناطق الأكثر فقرًا، باعتبارها مناطق تضررت تاريخيًا من سياسات التهميش، وهو ما يربط بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي في هذا الملف.
تسريع الإجراءات تحت ضغط الوقت السياسي
قيس سعيّد دعا اللجنة الوطنية للصلح الجزائي إلى الإسراع في إعداد مشاريع الاتفاقيات مع المعنيين، محذرًا من تكرار ما اعتبره “تعطيلًا إداريًا سابقًا” عطّل تقدم هذا المسار لسنوات.
وأشار إلى أن تجارب اللجان السابقة لم تحقق النتائج المرجوة رغم تعددها، ما يستدعي، وفق تصوره، تجاوز البطء الإجرائي ووضع آليات تنفيذ سريعة وفعالة، تضمن تحقيق الهدف الأساسي من المشروع.
بين استعادة الأموال وإغلاق الملف نهائيًا
يقدم الخطاب الرئاسي الحالي الصلح الجزائي باعتباره مسارًا نهائيًا لإنهاء ملف الفساد المالي، عبر تسويات تفضي إلى استرجاع الأموال وطيّ صفحة الماضي، في مقابل التزام واضح بعدم فتح باب “المساومات”.
وبين وعود التسريع والتشدد في التطبيق، يبقى هذا الملف من أكثر الملفات حساسية في المشهد التونسي، نظرًا لتقاطعه بين البعد القضائي والاقتصادي والسياسي، ولارتباطه المباشر بملف المال العام وثقة المواطنين في مسار الإصلاح.


