ألفة المرواني تفتح النار على تركيبة المجلس الأعلى للتربية: «أين مختصو علوم التربية وعلم النفس والبيداغوجيا؟»

أثارت الأستاذة ألفة المرواني جدلاً واسعاً حول تركيبة المجلس الأعلى للتربية، بعد أن عبّرت عن استغرابها من غياب أسماء أكاديمية وخبرات متخصصة في علوم التربية وعلم اجتماع التربية وعلم النفس التربوي والبيداغوجيا، معتبرة أن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن أن ينجح من دون الاستناد إلى كفاءات علمية راكمت سنوات من البحث والخبرة في هذا المجال.
وفي تدوينة حملت في مضمونها أكثر من مجرد ملاحظة عابرة، تساءلت ألفة المرواني عن المعايير التي تم اعتمادها في اختيار أعضاء المجلس، خصوصاً أن المهمة الأساسية المطروحة أمام هذه المؤسسة ترتبط، في جوهرها، بإصلاح التربية والتعليم وإعادة التفكير في مستقبل المدرسة التونسية.
ألفة المرواني: كنت أنتظر حضور المختصين في علوم التربية
وقالت الأستاذة ألفة المرواني إنها، رغم تهنئتها لمن تم تعيينهم بالمجلس الأعلى للتربية، فوجئت بعدم العثور ضمن التركيبة على مختصين في عدد من المجالات التي تعتبرها أساسية لأي مشروع إصلاحي جدي، من بينها علوم التربية، وعلم اجتماع التربية، وعلم نفس التربية، وعلم نفس الطفل والمراهقة، والبيداغوجيا، وهندسة النظم، والذكاء الاصطناعي.
وتطرح هذه الملاحظة سؤالاً جوهرياً يتجاوز أسماء الأشخاص: هل يمكن بناء إصلاح تربوي حقيقي من دون حضور كافٍ للخبراء الذين ينتمون مباشرة إلى الحقول العلمية التي تقوم عليها العملية التربوية؟
فالتعليم اليوم لم يعد مجرد علاقة تقليدية بين المدرس والتلميذ، بل أصبح منظومة معقدة تتداخل فيها علوم النفس والاجتماع والتكنولوجيا والهندسة البيداغوجية والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن المناهج وطرق التقييم والتكوين المستمر للمدرسين.
«لم أجد من بينهم من شارك حتى بإصدار واحد في الشأن التربوي»
وتوقفت ألفة المرواني عند نقطة أخرى اعتبرتها أكثر أهمية، حين أشارت إلى أنها لم تجد، وفق قراءتها للتركيبة، أسماءً لها مساهمات منشورة في الشأن التربوي، متسائلة عن مدى حضور الباحثين والمختصين الذين جعلوا من الإصلاح التربوي موضوعاً دائماً للبحث والتأليف.
وتقول المرواني إن مسألة الإصلاح هي «جوهر عملية التعيين»، وهو ما يجعل اختيار أعضاء المجلس، في نظرها، مرتبطاً بشكل مباشر بمدى قدرتهم على تقديم رؤية علمية وعملية قادرة على تشخيص أزمة المدرسة التونسية واقتراح حلول قابلة للتطبيق.
وهنا تبرز واحدة من أكبر الإشكاليات التي تواجه أي مشروع إصلاح: هل يكفي أن تكون هناك كفاءات وطنية، أم أن طبيعة المهمة تفرض أيضاً كفاءات متخصصة تحديداً في المجال الذي يراد إصلاحه؟
أسماء أكاديمية كانت تنتظرها ألفة المرواني
وفي سياق طرحها، لم تكتفِ الأستاذة ألفة المرواني بانتقاد ما اعتبرته غياباً لبعض الاختصاصات، بل قدمت أمثلة لأسماء أكاديمية قالت إنها كانت تنتظر حضورها ضمن المجلس، بالنظر إلى خبرتها العلمية والبحثية في مجال التربية.
ومن بين الأسماء التي ذكرتها الأستاذ مراد البهلول، الذي وصفته بأنه دكتور دولة في علوم التربية وخبير في المناهج وعلوم التربية وباحث متخصص في «البيداغوجيا الفارقية» وتطبيقاتها في المدرسة التونسية.
كما أشارت إلى المتفقد العام الخبير في التربية الأستاذ إبراهيم بن صالح، معتبرة أنه يمثل، وفق تعبيرها، كفاءة وطنية في مجال البيداغوجيا.
وضمّت قائمتها كذلك الأستاذ عبد المجيد بن ناصر، المختص في علم النفس المعرفي، إلى جانب الدكتور مصدق الجليدي، الذي وصفته بالقامة العلمية في مجال علوم التربية، مستحضرة عدداً من مؤلفاته، من بينها «أفكار جديدة في التربية وعلومها»، و«دراسات في التربية الأصيلة»، و«المشروع الإصلاحي»، و«تربية المستقبل».
المعركة الحقيقية ليست حول الأسماء… بل حول مشروع الإصلاح
ورغم لهجة التساؤل والنقد التي حملتها تدوينة ألفة المرواني، فإن جوهر موقفها يبدو مرتبطاً بمسألة أوسع من مجرد الاعتراض على تركيبة المجلس. فالمسألة، في النهاية، تتعلق بصورة الإصلاح التربوي الذي تحتاجه تونس، وبطبيعة الخبرات التي يجب أن تكون حاضرة عندما يتعلق الأمر بإعادة بناء منظومة تمس ملايين التلاميذ وآلاف المدرسين والأسر والمجتمع بأكمله.
فالمدرسة التونسية تواجه اليوم تحديات متراكمة، من أزمة المناهج وطرق التدريس، إلى صعوبات التقييم، مروراً بالعلاقة بين المدرسة والمجتمع، وتغير حاجيات سوق العمل، وصولاً إلى الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتأثيرهما المتزايد على التعليم.
ومن هذا المنطلق، فإن سؤال المرواني حول حضور المختصين لا يخلو من وجاهة: إذا كان المطلوب إصلاح المنظومة، فأي مكان يجب أن يحتله أصحاب الاختصاص والخبرة الطويلة في هندسة الإصلاح التربوي؟
ألفة المرواني: «أسماء عديدة أظنها أحق بهذا التعيين»
وتؤكد الأستاذة ألفة المرواني أنها لا تنتقص من قيمة من تم تعيينهم، بل عبّرت بوضوح عن تهنئتها لهم، متمنية لهم التوفيق في مهامهم. غير أنها في المقابل قالت إن هناك أسماء عديدة كانت، في تقديرها، أحق بهذا التعيين، بالنظر إلى ثقتها في قدرتها على المساهمة في إصلاح التعليم.
وهذه النقطة بالذات تجعل تدوينة المرواني قابلة لقراءة أوسع: فهي لا تضع فقط سؤالاً حول «من تم تعيينه؟»، وإنما تضع أمام الرأي العام سؤالاً أهم: ما هي المعايير التي يجب أن تحكم اختيار أعضاء مؤسسة مكلفة بالتفكير في مستقبل التربية؟
فنجاح المجلس الأعلى للتربية لن يقاس بعدد الأسماء الموجودة داخله، ولا بوزنها الاعتباري فقط، وإنما بقدرته على تقديم رؤية واضحة وعميقة وقابلة للتنفيذ، تعيد للمدرسة التونسية قدرتها على صناعة الإنسان والمعرفة والمهارات.
وفي ختام تدوينتها، حافظت ألفة المرواني على نبرة متوازنة، إذ جددت تهنئتها للأعضاء المعينين وتمنت لهم النجاح، لكنها في الوقت نفسه اختارت أن ترفع صوت السؤال حول الاختصاص والخبرة وموقع الباحثين في مشروع إصلاح التربية.
وبين التهاني والانتقادات والأسئلة المفتوحة، يبقى التحدي الأكبر أمام المجلس الأعلى للتربية هو تحويل الجدل حول تركيبته إلى عمل فعلي، لأن المدرسة التونسية لا تنتظر مزيداً من النقاش فقط، بل تنتظر إصلاحاً عميقاً يعيد إليها الثقة والنجاعة ويستجيب لتحولات العصر.


