حسين الرحيلي: لماذا تتكرر الفيضانات في تونس؟ الخبير يكشف مكامن الخلل

تجددت مع أولى الأمطار الخريفية مشاهد غرق عدد من الشوارع والأحياء في تونس، لتعود معها الأسئلة حول أسباب تكرار الفيضانات كل موسم، ومدى جاهزية البنية التحتية للتعامل مع الأمطار الغزيرة. وفي هذا السياق، اعتبر الخبير في التنمية والموارد المائية حسين الرحيلي أن الإشكال لا يرتبط فقط بكمية الأمطار، وإنما بغياب تقييم شامل وحقيقي لأسباب الفيضانات في تونس منذ سنوات.
شبكات تصريف غير قادرة على استيعاب الأمطار
وأوضح الرحيلي، خلال مداخلة هاتفية في برنامج «صباح الورد» على «الجوهرة أف أم»، أن أغلب المدن التونسية، من الشمال إلى الجنوب، لا تعتمد شبكات مزدوجة لتصريف مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي، إذ تعتمد معظم الأحياء على شبكة واحدة تجمع النوعين معاً، باستثناء بعض المناطق الحديثة.
ويرى الخبير أن هذه الوضعية تجعل شبكات التصريف عاجزة عن استيعاب كميات المياه الكبيرة عند تسجيل أمطار غزيرة، وهو ما يفسر جانباً من مشاهد تجمع المياه وغمر الطرقات والأحياء بمجرد ارتفاع نسق التساقطات خلال فترة زمنية قصيرة.
التوسع العمراني أغلق مساحات كانت تمتص المياه
ولم تتوقف المشكلة، وفق الرحيلي، عند طبيعة شبكات التصريف، بل ارتبطت أيضاً بالتوسع العمراني وما رافقه من انتشار البناء بالخرسانة على حساب المساحات الترابية التي كانت تسمح بتسرب وامتصاص مياه الأمطار.
وأشار إلى أن هذا التوسع لم يرافقه بالقدر الكافي إحداث ما يعرف بأحواض تجميع مياه الأمطار، خاصة في المناطق المنخفضة والقريبة من البحر، وهي منشآت يمكن أن تساهم في استيعاب جزء من المياه وتخفيف الضغط على شبكات التصريف خلال فترات الأمطار الغزيرة.
الاستعداد للأمطار يبدأ قبل الخريف
وانتقد الرحيلي ما اعتبره تأخراً في الاستعداد لموسم الأمطار، مشيراً إلى أن المجالس الوزارية المخصصة لهذا الملف تُعقد غالباً خلال شهري أوت وسبتمبر، في حين يفترض أن تنطلق الدراسات والخطط الاستباقية منذ أفريل وماي.
وأكد أن الاستعداد المبكر يسمح بإجراء عمليات الصيانة وتطهير قنوات تصريف المياه وتحديد المسارات الطبيعية للمياه، إلى جانب معالجة النقاط السوداء قبل حلول التقلبات الجوية الخريفية، بدلاً من انتظار نزول الأمطار ثم التحرك لمعالجة الأضرار.
باب عليوة وTGM ورواد.. الأمطار تعيد كشف النقاط السوداء
وتزامنت تصريحات الخبير مع تجدد مشاهد تجمع المياه في عدد من المناطق إثر الأمطار الغزيرة التي شهدتها البلاد، حيث سجلت اضطرابات ميدانية في مناطق من تونس الكبرى.
وبرزت من بين النقاط التي شهدت تجمعات للمياه محطة باب عليوة، ومحطة TGM على خط تونس–حلق الوادي–المرسى، إلى جانب مناطق برواد وأريانة وتونس الغربية، حيث غمرت المياه أجزاء من الطرقات والمحطات وبعض المحلات التجارية.
من إدارة الأزمة إلى الوقاية
وتعيد هذه المشاهد النقاش حول الحاجة إلى تغيير مقاربة التعامل مع الفيضانات في تونس، من التدخل بعد نزول الأمطار إلى بناء منظومة استباقية تقوم على دراسة مسارات المياه، وتحديث شبكات التصريف، وحماية المساحات القادرة على امتصاص الأمطار، وإحداث منشآت لتجميع المياه في النقاط الحساسة.
فالمشكلة، وفق هذا الطرح، لا تكمن فقط في كون الأمطار غزيرة أو استثنائية، وإنما في قدرة المدن على استيعابها والتعامل معها. ومع تكرر المشاهد نفسها من موسم إلى آخر، يصبح تقييم البنية التحتية وتحديد مكامن الخلل ومعالجتها قبل حلول موسم الأمطار مسألة تتجاوز الطابع الظرفي لتتحول إلى ضرورة في التخطيط العمراني وإدارة الموارد المائية.

