ثقافة

صفوان بن عيسى: بنزرت في 150 عامًا من الصور.. كتاب يستعيد ذاكرة المدينة ويفتح آفاقًا جديدة للتراث والسياحة

حين تتحول الصورة إلى ذاكرة مدينة

ليست بنزرت في حاجة إلى من يعرّفها بجمالها بقدر ما تحتاج إلى من يكشف هذا الجمال ويعيد وضعه في قلب الذاكرة الجماعية. ومن هذا المنطلق، اختارت جمعية صيانة مدينة بنزرت أن تواصل مشروعها في توثيق المدينة وتراثها من خلال إصدار جديد يحوّل الصورة الفوتوغرافية إلى وثيقة تاريخية وشاهد على تحولات مدينة تمتد جذورها إلى خمسة عشر قرنًا من التاريخ.

وفي تدوينة نشرها السيد صفوان بن عيسى، رئيس جمعية صيانة مدينة بنزرت، كشف عن ملامح هذا المشروع الذي يأتي بعد إصدار كتاب موسوعي سنة 2025، ليأخذ هذه المرة شكل كتاب فني يوثق مائة وخمسين عامًا من التصوير الفوتوغرافي لمدينة بنزرت، من خلال صور تستعيد تفاصيل المدينة ومعالمها وفضاءاتها، وتمنح القارئ فرصة نادرة للسفر عبر الزمن ومقارنة ما كان بما أصبح عليه المكان اليوم.

150 عامًا من التصوير تروي 15 قرنًا من تاريخ بنزرت

الجسور والقلاع والموانئ والمساجد والحمّامات التقليدية وعيون الماء وغيرها من المعالم التاريخية، تتحول داخل صفحات الكتاب إلى عناصر أساسية في سرد بصري طويل يكشف وجوه بنزرت المختلفة. والأهمية لا تكمن فقط في قيمة الصور الجمالية، بل أيضًا في قدرتها على توثيق مراحل تاريخية متعاقبة، خصوصًا أن عددًا من هذه الصور يُنشر للمرة الأولى.

فالمدينة التي تظهر في الصور ليست مجرد فضاء عمراني، وإنما سجل مفتوح لحضارات متعاقبة تركت كل واحدة منها بصمتها في العمارة وفي تفاصيل الحياة اليومية. وفي المقابل، تكشف الصور أيضًا حجم التحولات التي عرفتها بنزرت، وما بقي من معالمها، وما تغير بفعل الزمن، وما بات مهددًا بفقدان ملامحه الأصلية، وهو ما يمنح الكتاب وظيفة تتجاوز التوثيق إلى التنبيه إلى مسؤولية الحاضر تجاه ذاكرة المكان.

من توثيق الماضي إلى حماية ما تبقى منه

في جوهر المشروع، لا تبدو الصورة مجرد وسيلة لاستعادة الماضي، بل تتحول إلى أداة لإعادة طرح سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا نفعل اليوم بهذا التراث الذي وصل إلينا؟ فتوثيق المعالم لا يكتمل بمجرد تصويرها وحفظها في كتاب، وإنما تكتسب قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى وعي جماعي يدفع إلى الصيانة والترميم والحفاظ على تفاصيل المدينة وفضاءات العيش فيها.

ويشير صفوان بن عيسى إلى أن ما تركه الأسلاف من عناية بالبناء والتفاصيل والفضاءات المشتركة يعكس مستوى من الوعي بالجمال وبالصالح العام، وهو وعي يرى أن المدينة ليست مجرد مبانٍ وشوارع، وإنما فضاء مشترك يستحق العناية والاحترام. ومن هنا يصبح الكتاب دعوة إلى استعادة تلك العلاقة مع المكان، وإلى مقاومة الاستسهال والإهمال الذي يمكن أن يحوّل المدن التاريخية تدريجيًا إلى مجرد صور من الماضي.

التراث ليس ذاكرة فقط.. بل فرصة اقتصادية أيضًا

ومن أبرز الأفكار التي يطرحها المشروع أن الثقافة والتراث لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما عبئًا على التنمية أو مجرد ملفين مرتبطين بالماضي، بل يمكن أن يتحولا إلى محرك اقتصادي حقيقي إذا تمت حمايتهما وتثمينهما والتعريف بهما بالشكل المناسب.

فترميم المعالم التاريخية يحافظ على الهوية، لكنه في الوقت نفسه يخلق فرصًا لنقل المهارات والحرف التقليدية، ويدعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة والثقافة، ويمنح الزائر أسبابًا إضافية لاكتشاف المدن التونسية بعيدًا عن المسارات السياحية التقليدية.

وفي هذا السياق، يعيد الكتاب إحياء فكرة إنشاء مسار سياحي متكامل داخل بنزرت يربط بين مختلف معالم المدينة ويحوّلها من نقاط منفصلة إلى رحلة متكاملة يعيش خلالها الزائر تاريخ المدينة في فضائها الحقيقي. مثل هذا المسار يمكن أن يمنح التراث وظيفة جديدة، تقوم على جعل المعلم التاريخي جزءًا من تجربة سياحية وثقافية واقتصادية متكاملة.

بنزرت كمرآة لتراث تونس بأكملها

ولا يتوقف المشروع عند حدود بنزرت، إذ يحمل في خلفيته رسالة أوسع تتعلق بالتراث التونسي ككل. فحين يتصفح تونسي من خارج بنزرت صفحات الكتاب، فإن الهدف، وفق ما يطرحه رئيس الجمعية، هو أن يشعر بالفخر بهذا الثراء، وبما يمكن وصفه بـ”الغيرة الجميلة” التي تدفع أبناء كل جهة إلى اكتشاف كنوز مناطقهم والتعريف بها وحمايتها.

فالتراث، في هذه الرؤية، ليس ملكًا لأبناء المدينة وحدهم، وإنما جزء من الذاكرة الوطنية المشتركة. وما تحتاجه بنزرت من عناية وحماية يمكن أن يكون نموذجًا لمدن وقرى تونسية أخرى تمتلك بدورها معالم وقصصًا وذاكرة تستحق أن تُكتشف وتوثق وتستثمر ثقافيًا وسياحيًا.

ثلاثة أشخاص وراء الحلم.. من الفكرة إلى الكتاب

وراء هذا المشروع، كما يروي صفوان بن عيسى، يقف ثلاثة أشخاص آمنوا بإمكانية تحويل الفكرة إلى عمل ملموس. ويبرز من بينهم نور الدين الدقي، ابن بنزرت، الذي خصص أكثر من شهرين لجمع الأقوال والشهادات التي تناولت المدينة وتاريخها، في عمل بلغ أحيانًا أربع عشرة ساعة يوميًا.

أما حافظ بوجميل، فقد تولى جانبًا أساسيًا من التحدي التقني والفني المرتبط بإخراج الكتاب في حلته الفضية، بما ينسجم مع طبيعته ككتاب فني يوظف الصورة باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في سرد تاريخ المدينة.

وبفضل هذا العمل المشترك، انتقلت الفكرة من مستوى الحلم إلى منتج ثقافي ملموس، يحمل في صفحاته جزءًا من ذاكرة بنزرت ويضعها أمام القارئ بطريقة بصرية مختلفة.

الكتاب العاشر لجمعية صيانة المدينة.. ومواصلة لمشروع ثقافي

ويكتسب الإصدار أهمية إضافية باعتباره الكتاب العاشر الذي تصدره جمعية صيانة المدينة ببنزرت، ما يعكس مسارًا متواصلًا في العمل على توثيق المدينة والدفاع عن تراثها والتعريف بمقوماتها.

كما يصدر الكتاب بثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية، وهو ما يوسع دائرة قرائه المحتملين ويتيح للزائر والباحث والمهتم من خارج تونس الاطلاع على جانب من التاريخ العمراني والثقافي لبنزرت. وبذلك لا يبقى الكتاب مجرد إصدار موجّه إلى الجمهور المحلي، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة للتعريف بالمدينة وبتراثها خارج حدودها أيضًا.

في مواجهة التلوث والإهمال.. استعادة معنى الجمال

يأتي هذا المشروع في ظرف يضع المدن التونسية أمام تحديات متزايدة تتعلق بالنظافة والتلوث والتدهور العمراني والتلوث البصري والضوضائي. وهي تحديات لا تمس فقط جودة الحياة اليومية، وإنما تؤثر كذلك في صورة المدن وفي قدرتها على الحفاظ على طابعها وخصوصيتها.

وفي هذا السياق، تبدو العودة إلى صور بنزرت القديمة أكثر من مجرد رحلة نوستالجية إلى الماضي؛ إنها مقارنة صامتة بين ما كانت عليه المدينة وما آلت إليه بعض فضاءاتها، ودعوة إلى التفكير في ما يمكن استعادته وحمايته قبل أن يتحول إلى ذاكرة لا يمكن استرجاعها إلا من خلال الصور.

فالمدينة الجميلة ليست فقط المدينة التي تمتلك مباني تاريخية، وإنما المدينة التي تعرف كيف تحافظ على شوارعها وفضاءاتها العامة وتفاصيلها اليومية، وكيف تجعل من النظافة والنظام والجمال جزءًا من ثقافتها المدنية.

“تونس تستحق الأفضل”.. رسالة تتجاوز بنزرت

في النهاية، يحمل كتاب بنزرت رسالة تتجاوز حدود المدينة نفسها. فالحفاظ على التراث لا يتعلق بالماضي وحده، بل بصورة تونس في حاضرها ومستقبلها، وبقدرتها على تقديم نفسها كبلد يحترم تاريخه ويعتني بفضاءات عيشه ويمنح تراثه فرصة لأن يكون عنصرًا من عناصر التنمية.

ومن خلال مئات الصور والشهادات والتفاصيل، يعيد المشروع طرح سؤال بسيط لكنه عميق: إذا كان الأجداد قد تركوا لنا هذه الثروة، فماذا سنترك نحن للأجيال القادمة؟

ذلك أن حماية بنزرت وتراثها لا تبدأ فقط من المؤسسات أو مشاريع الترميم الكبرى، وإنما من تغيير علاقتنا بالمدينة نفسها، ومن إدراك أن الشارع والمعلم التاريخي والواجهة والفضاء العام كلها أجزاء من ذاكرة مشتركة.

وفي هذا المعنى، يصبح الكتاب أكثر من إصدار فني؛ إنه دعوة إلى النظر من جديد إلى بنزرت، وإلى تونس أيضًا، بعين ترى الجمال، لكنها ترى معه المسؤولية. فـتونس تستحق الأفضل، والتحدي الحقيقي هو تحويل هذا الإيمان إلى واقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى