حماية أريانة من الفيضانات: تقدّم الأشغال إلى 80% واستكمال المشروع مبرمج في جوان 2027

ويأتي هذا المشروع في سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالفيضانات، بفعل التغيرات المناخية والتوسع العمراني، إلى جانب الصعوبات الفنية والميدانية التي قد تؤثر في نسق الإنجاز، وهو ما يجعل استكمال المنشآت المبرمجة وتعزيز منظومة الوقاية من المخاطر الطبيعية من أبرز الرهانات المطروحة.
101 مليون دينار لحماية مناطق من أريانة وتونس
يندرج المشروع ضمن برنامج أوسع يشمل أجزاء من ولايتي أريانة وتونس، بتمويل من الصندوق السعودي للتنمية في شكل قرض تبلغ قيمته الجملية نحو 180 مليون دينار. وتناهز كلفة الأقساط الأربعة المخصصة لولاية أريانة 101 مليون دينار، فيما يتعلق القسط الخامس أساسا بمنطقة وادي الطابق بالمرسى في ولاية تونس.
ويهدف البرنامج إلى الحد من مخاطر الفيضانات وتحسين قدرة المنشآت المائية على استيعاب مياه الأمطار وتصريفها، من خلال تهيئة الأودية وإنجاز المسيلات والقنوات والمنشآت المائية، فضلا عن تهيئة الطرقات والمساحات الخضراء بالمناطق المعنية.
وتشمل التدخلات مناطق المنيهلة ووادي قرب ووادي روريش ورواد وسكرة وأريانة، مع اختلاف مكونات الأشغال من منطقة إلى أخرى بحسب طبيعة المسالك المائية ومواقع تجمع المياه. وقد انطلقت أشغال الأقساط الأول والثاني والرابع يوم 8 مارس 2024، فيما انطلقت أشغال القسط الثالث يوم 18 جوان من السنة نفسها.
القسط الرابع يتصدر نسب الإنجاز بـ80 بالمائة
سجّل القسط الرابع، المتعلق بحماية سكرة وأريانة، أعلى نسبة تقدّم بين الأقساط الأربعة، إذ بلغت الأشغال فيه نحو 80 بالمائة. وتناهز كلفته 20 مليون دينار، فيما تبلغ مدة إنجازه التعاقدية 22 شهرا.
وتشمل الأشغال بمنطقة الغزالة تهيئة أجزاء من وادي السنوسي وإنجاز مسيلات من الخرسانة المسلحة، إلى جانب تهيئة مسيل بشارع الجوهرة بمنطقتي النخيلات والمنصورة. أما في سكرة، فتتواصل التدخلات على مستوى وادي النمر، عبر إنجاز مسيلات بطول يقارب 1.55 كيلومتر، فضلا عن مسيل على مستوى طريق سيدي صالح.
ويعكس هذا التقدم أهمية التدخلات الموجهة إلى تحسين مسارات تصريف المياه بالمناطق العمرانية التي تشهد تجمعات للمياه خلال فترات الأمطار، غير أن النجاعة الفعلية لهذه المنشآت تبقى مرتبطة باستكمال مكوناتها وضمان ترابطها مع بقية المسالك المائية.
المنيهلة: إنجاز 70 بالمائة من الأشغال
بلغت نسبة تقدم القسط الأول، المخصص لحماية منطقة المنيهلة، نحو 70 بالمائة، بكلفة جملية تناهز 25.9 مليون دينار ومدة إنجاز تعاقدية تبلغ 28 شهرا.
وتتمثل أبرز التدخلات في تهيئة أجزاء من وادي النمسة ووادي الرومي 1 ووادي الرومي 2، من خلال إنجاز مسيلات ومنشآت من الخرسانة المسلحة بأحجام مختلفة، إلى جانب منشآت مائية وتهيئة الطرقات والمساحات الخضراء.
وتكتسي هذه الأشغال أهمية بالنظر إلى دور الأودية والمسالك المائية في نقل مياه الأمطار عبر المناطق السكنية، إذ إن أي اختلال في قدرتها على التصريف قد يساهم في تجمع المياه وارتفاع مخاطر السيول عند هطول كميات كبيرة من الأمطار.
وادي قرب ووادي روريش: تقدّم الأشغال بنسبة 55 بالمائة
أما القسط الثاني، الذي يشمل تهيئة أجزاء من وادي قرب ووادي روريش، فقد بلغت نسبة إنجازه نحو 55 بالمائة، وهي النسبة الأدنى بين الأقساط الأربعة المعنية بولاية أريانة. وتناهز كلفته 29 مليون دينار، فيما تبلغ مدة إنجازه التعاقدية 28 شهرا.
وتشمل الأشغال إنجاز قنوات ومنشآت من الخرسانة المسلحة على امتداد يقارب ثلاثة كيلومترات، فضلا عن تهيئة الطرقات والمساحات الخضراء.
وأوضح شكري الخليفي أن بعض مسارات تصريف المياه تنطلق من مناطق بولاية أريانة وتمتد نحو ولاية تونس، بما يجعل معالجة مخاطر الفيضانات مرتبطة أحيانا بتدخلات تتجاوز الحدود الإدارية للولايات. فالمياه تنتقل عبر مجاريها الطبيعية من مناطق انطلاقها إلى مناطق أخرى وصولا إلى المصبات، وهو ما يستوجب التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية لضمان نجاعة المنشآت المائية.
رواد: أشغال على امتداد الشوارع والأودية
بلغت نسبة تقدم القسط الثالث، المخصص لحماية رواد من الفيضانات، نحو 63 بالمائة، بكلفة تناهز 26.6 مليون دينار ومدة إنجاز تبلغ 30 شهرا. ويتولى تنفيذ هذا القسط مجمع يضم شركتين تونسية وسعودية.
وتتضمن الأشغال إنجاز مسيل من الخرسانة المسلحة بشارع الملاحة، إلى جانب المنشآت المائية وتهيئة الطرقات على طول يقارب كيلومترين. كما تشمل إنجاز مسيل بشارع بومرداس وتهيئة مسيل على مستوى نهج المواصلات في اتجاه سبخة أريانة.
وتمتد التدخلات كذلك إلى وادي الزيرو عبر تهيئته بمسيل، وإلى وادي الخياط من خلال إنجاز مسيلات وقنوات من الخرسانة المسلحة بأحجام مختلفة، فضلا عن المنشآت المائية وتهيئة الطرقات والمساحات الخضراء.
وتتجه مياه السيلان القادمة من رواد وسكرة نحو سبخة رواد، في حين تتجه مياه مناطق أخرى، من بينها أجزاء من المنيهلة وأريانة وتونس، نحو سبخة السيجومي. ويبرز هذا الترابط أهمية التعامل مع منظومة تصريف المياه باعتبارها شبكة متكاملة، لا مجرد منشآت منفصلة داخل كل منطقة.
تحويل شبكات الماء والكهرباء من أبرز العراقيل
ورغم تقدم الأشغال، أقرّ مدير إدارة المياه العمرانية بأن نسق الإنجاز قد يتأثر بعدد من الظروف الفنية والميدانية التي تفرض أحيانا تعليق بعض التدخلات أو تأجيلها. وأوضح أن الفرق الفنية واجهت عدة عراقيل وتمكنت من حل جزء منها، فيما لا تزال بعض الإشكاليات الأخرى تستوجب المعالجة.
ومن أبرز الصعوبات تحويل شبكات الخدمات العمومية، خاصة الكهرباء والغاز والتطهير وقنوات توزيع مياه الشرب التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه. وأشار الخليفي إلى أن تحويل القنوات كبيرة الحجم يتطلب تدخلا فنيا ووقتا أطول من المتوقع، وهو ما ينعكس على تقدم الأشغال في المواقع المعنية.
كما تمثل الأمطار، حتى عندما تكون كمياتها محدودة، عاملا قد يعرقل العمل داخل مجاري الأودية، إذ يمكن أن تؤدي إلى تشكل السيول، بما يفرض إيقاف الأشغال مؤقتا حفاظا على سلامة المتدخلين وتفاديا للمخاطر الميدانية.
ويضاف إلى ذلك انتشار البناء الفوضوي في بعض المناطق المستهدفة، بما قد يعرقل مسارات المياه ويزيد من تعقيد التدخلات الرامية إلى تحسين تصريفها.
هل تكفي المنشآت لمواجهة الأمطار الاستثنائية؟
تطرح القدرة الاستيعابية للمنشآت المائية مسألة أساسية في تقييم المشروع، خاصة في ظل تزايد المخاوف من التقلبات المناخية والأمطار الغزيرة. ووفق شكري الخليفي، صُممت أغلب المنشآت المبرمجة لاستيعاب أمطار بتواتر يُقدّر بعشرين سنة، أي وفق مستوى مطري محدد في الدراسات الفنية المعتمدة.
غير أن الأمطار ذات التواتر الذي يصل إلى خمسين سنة قد تمثل تحديا أكبر، خصوصا عندما تتداخل مع وجود بناءات فوضوية تؤثر في المسالك الطبيعية للمياه أو تحد من قدرتها على التصريف. وأوضح المسؤول أن المنشآت المائية صُممت للتعامل مع مستويات محددة من التساقطات، بينما قد تتجاوز الظواهر المطرية الاستثنائية القدرة التصميمية لبعض مكوناتها.
وتبرز هذه المعطيات أن إنجاز المنشآت وحده لا يمثل نهاية مسار الوقاية من الفيضانات، بل يتطلب أيضا صيانة دورية ومراقبة مستمرة للمجاري المائية، إلى جانب معالجة التجاوزات العمرانية التي قد تؤثر في حركة المياه.
تحيين الدراسات الهيدرولوجية كل عشر سنوات على الأقل
وشدد الخليفي على ضرورة تحيين الدراسات الهيدرولوجية مرة كل عشر سنوات على الأقل، بالنظر إلى التغيرات المناخية والتوسع العمراني المتسارع، مع إجراء تقييمات منتظمة للمنشآت المنجزة للتأكد من مدى ملاءمتها للظروف الجديدة.
وتكتسب هذه التوصية أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق العمرانية التي شهدت توسعا متواصلا، إذ يمكن أن يؤدي تغير طبيعة الأراضي وارتفاع كثافة البناء إلى تعديل مسارات جريان المياه وحجم التساقطات التي يتعين على شبكات التصريف استيعابها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الرهان على استكمال مشروع أريانة في جوان 2027، بل يشمل ضمان استدامة المنشآت وقدرتها على الاستجابة للمخاطر المستقبلية، بما يستوجب الجمع بين البنية التحتية والتخطيط العمراني والإنذار المبكر.
الإنذار المبكر جزء من معادلة الوقاية
ويتزامن تقدم المشروع مع استعداد تونس لاحتضان المنتدى الإقليمي العربي للإنذار المبكر والتأهب للكوارث يوم الإثنين 12 أكتوبر 2026، في سياق يسلط الضوء على أهمية تطوير آليات الاستشراف والوقاية والتنسيق لمواجهة الكوارث الطبيعية.
وتؤكد مشاريع الحماية من الفيضانات، إلى جانب منظومات الإنذار المبكر، أن الحد من الخسائر البشرية والمادية يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين المنشآت المائية والدراسات المحينة والاستعداد المسبق والتدخل السريع. وبينما تقترب بعض أقساط مشروع أريانة من استكمال أشغالها، تظل نجاعة البرنامج مرتبطة بإنهاء مختلف مكوناته ومعالجة العراقيل التي تعترض التنفيذ، فضلا عن مواصلة تكييف منظومة الحماية مع التحولات المناخية والعمرانية.




