العلم التونسي في ذكراه الـ199: راية من عهد البايات إلى الاستقلال تختزل قرنين من تاريخ الدولة والهوية

تستحضر تونس، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، الذكرى الـ199 لإنشاء العلم الوطني، الذي ظلّ على امتداد قرابة قرنين أحد أبرز رموز الدولة والسيادة والهوية التونسية. فمنذ إقرار تصميمه في عهد حسين باي الثاني سنة 1827، واعتماده سنة 1831، رافقت الراية الوطنية تحولات البلاد من العهد الحسيني إلى الاستعمار الفرنسي، ثم الاستقلال وإقامة الجمهورية، محافظة على مكوناتها الأساسية التي تجمع اللون الأحمر بالدائرة البيضاء والهلال والنجمة.
ولا تختزل هذه الذكرى تاريخ قطعة قماش ترفرف فوق المؤسسات والساحات العامة فحسب، بل تفتح نافذة على مسار تشكّل الدولة التونسية وتطور استقلالية قرارها السياسي، وعلى الرموز التي انتقلت من سياقات تاريخية وعسكرية إلى وجدان جماعي أصبح العلم جزءا أساسيا منه.
من حسين باي الثاني إلى الجمهورية: كيف وُلد العلم التونسي؟
يرتبط تاريخ العلم التونسي الحديث بعهد حسين باي الثاني، الذي أقر تصميمه سنة 1827، قبل اعتماده سنة 1831. وجاء هذا التحول في مرحلة كانت فيها تونس تسعى إلى تحديث مؤسساتها وتعزيز قدراتها العسكرية، في سياق إقليمي ودولي اتسم بتغير موازين القوة واتساع الفجوة التقنية والعسكرية بين عدد من البلدان العربية والأوروبية.
ويشير العميد المتقاعد محجوب السميراني، مؤلف كتاب «العلم التونسي: التاريخ.. الدلالة.. الاستعمال»، إلى أن فهم نشأة الراية الوطنية يقتضي العودة إلى عمق التاريخ التونسي، حيث عرفت البلاد استعمال الرايات في مراحل حضارية وسياسية مختلفة، من العهد القرطاجي إلى الدول التي تعاقبت على حكم تونس، بما فيها الحفصيون والدايات والبايات.
ويؤكد هذا الامتداد التاريخي أن الرايات لم تكن مجرد علامات شكلية، بل أدت وظائف عسكرية وسياسية، إذ استُخدمت لتمييز الجيوش والسفن والسلطات الحاكمة، قبل أن تتطور دلالاتها تدريجيا لتصبح مرتبطة بمفهوم الدولة والهوية الوطنية.
تحديث الجيش وبناء مؤسسات الدولة
يربط السميراني ظهور العلم التونسي الحديث بمساعي تحديث البلاد وإنشاء جيش نظامي في عهد حسين باي الثاني، معتبرا أن التحولات العسكرية التي شهدتها المنطقة، وخاصة دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر سنة 1830، كشفت حجم التفاوت العسكري والتقني مع أوروبا، ودفعت إلى التفكير في تطوير مؤسسات الدولة وقدراتها.
وفي هذا السياق، أُنشئت نواة الجيش التونسي في المحمدية، تحت إشراف وزير حسين باي، شاكير صاحب الطابع. وارتبطت الراية الجديدة بهذه المرحلة التي كان فيها بناء جيش نظامي جزءا من مسار أوسع لتحديث مؤسسات البلاد.
ويرى السميراني أن الرموز التي يتضمنها العلم تستند إلى موروث حضاري أقدم من الدولة العثمانية، مشيرا إلى حضور الهلال والنجمة والقرص في تاريخ المنطقة منذ العهد القرطاجي. وتستدعي هذه القراءة علاقة تونس المتراكمة بالبحر الأبيض المتوسط، وما شهدته من حضارات متعاقبة تركت آثارها في الرموز والممارسات السياسية والعسكرية.
من جهته، يعتبر العميد المتقاعد سمير الشامي أن العلم التونسي من أقدم الأعلام التي أُنشئت في البلدان العربية والإسلامية، مشيرا إلى أن استعمال الرايات عرفته مختلف الحضارات التي تعاقبت على تونس، وإن اختلفت الشعارات والرموز من مرحلة إلى أخرى.
الأحمر والهلال والنجمة: مكونات حافظت على ملامحها
يتميز العلم التونسي بلونه الأحمر، وفي وسطه دائرة بيضاء تتضمن هلالا أحمر يحيط بنجمة حمراء خماسية، وهي المكونات الأساسية التي حافظت على حضورها منذ اعتماد التصميم الحديث.
وقد جاء العلم التونسي في سياق تاريخي كانت فيه تونس مرتبطة بالدولة العثمانية، وهو ما يفسر أوجه التشابه بين الرايتين، ولا سيما اللون الأحمر ورمزي الهلال والنجمة. غير أن التصميم التونسي تميز بوجود دائرة بيضاء تتوسط العلم، وبترتيب مختلف للهلال والنجمة، بما أضفى على الراية ملامح خاصة.
ويشير الدكتور محمد ذويب إلى أن حسين باي الثاني صمم علما يميز تونس عن بقية الولايات العثمانية، مع الاحتفاظ ببعض الخصائص المشتركة مع العلم العثماني، من بينها اللون الأحمر، وإضافة القرص الأبيض وتغيير ألوان الهلال والنجمة إلى الأحمر.
ويضيف ذويب أن الأعلام التونسية استُخدمت في الماضي لتمييز السفن، وأن اختيار الهلال والنجمة سنة 1831 ساهم في تثبيت مكونات ظلت حاضرة حتى اليوم، رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
من الحماية الفرنسية إلى الاستقلال: الراية عنوان السيادة
خلال فترة الاستعمار الفرنسي، حافظ العلم التونسي على ملامحه الأساسية، رغم فرض رفع العلم الفرنسي إلى جانبه. ويذكر ذويب أن مرحلة الاستعمار شهدت ظهور صيغ تجمع العلمين، قبل أن تتخلص الراية التونسية من الإضافة الفرنسية إثر استقلال البلاد سنة 1956.
ومع استعادة السيادة الوطنية، اختار المجلس القومي التأسيسي الحفاظ على العلم الذي صممه حسين باي الثاني، باعتباره رمزا للدولة التونسية المستقلة. ثم كُرّس العلم رسميا بموجب دستور غرة جوان 1959، الذي نص في فصله الرابع على أن علم الجمهورية هو الراية الحمراء التي يتوسطها الهلال والنجمة.
وبذلك، لم يكن الاستقلال مجرد تحول في الوضع السياسي للبلاد، بل مثّل أيضا محطة حاسمة في تثبيت الرموز الوطنية التي تعبر عن سيادة الدولة واستمرارية شخصيتها التاريخية.
وفي 30 جوان 1999، صدر القانون عدد 56 لسنة 1999 المتعلق بضبط أبعاد العلم الوطني وتصميمه بدقة، وأقره مجلس النواب في 3 جويلية من السنة نفسها، من دون تغيير مظهره العام.
الراية أمانة لدى الجيش ومؤسسات الدولة
تحتل الراية الوطنية مكانة خاصة في تقاليد الدولة التونسية ومؤسساتها العسكرية والتربوية. ففي سنة 1956، سلّم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة العلم الوطني إلى قائد القوات المسلحة آنذاك، الجنرال الكافي، لتُؤتمن القوات المسلحة على الراية، في خطوة عززت ارتباطها بمؤسسات الدولة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح العلم حاضرا في مختلف المناسبات الوطنية، من عيد الشهداء إلى عيد الاستقلال وعيد الجلاء، كما تُنظم فعاليات لرفعه في المؤسسات التربوية بهدف تعريف الأجيال الجديدة بتاريخه وترسيخ معاني الانتماء الوطني.
وتتولى مصالح الإدارة العامة للباس والتموين بوزارة الدفاع الوطني خياطة العلم وفق المواصفات القانونية، إلى جانب بعض الشركات الخاصة التي تلتزم بدورها بالمقاييس المحددة. أما علم رئيس الجمهورية، فيحمل عبارة «للوطن» بخط ذهبي، ويُثبت على رمح ذي حد مذهّب تُنقش عليه الدائرة والهلال والنجمة.
ويحدد القانون شكل العلم في مستطيل أحمر يساوي عرضه ثلثي طوله، تتوسطه دائرة بيضاء تضبط أبعادها وموقعها وفق مقاييس دقيقة، وتتضمن نجمة حمراء خماسية وهلالا أحمر. وتضمن هذه الأحكام توحيد مواصفات الراية الوطنية واستعمالها وفق الشكل الرسمي المعتمد.
«خرجة العلم».. الاحتفال بالتاريخ والهوية
تتجدد مظاهر الاحتفال بذكرى إنشاء العلم التونسي في عدد من مناطق الجمهورية، ومن أبرزها شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، حيث تنتظم تظاهرة «خرجة العلم» بمشاركة جمعيات ومنظمات، من بينها الهلال الأحمر التونسي والكشافة التونسية والمنظمة الوطنية للطفولة وجمعية إبداع، بدعم من بلدية تونس والشركة الوطنية للسكك الحديدية.
وترفع خلال هذه المناسبة الراية الوطنية في أجواء احتفالية تستحضر تاريخها ورمزيتها، فيما تشهد مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلا رسميا وشعبيا من خلال نشر صور العلم واستعادة محطات من مسار إنشائه وتطوره.
وتتجاوز هذه الفعاليات طابعها الاحتفالي لتشكل مناسبة لنقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الجديدة، والتذكير بأن الرموز الجامعة لا تنفصل عن التاريخ الذي صنعها ولا عن المسؤولية المترتبة على صونها.
علم يتجاوز التاريخ إلى ذاكرة الأجيال
بعد قرابة قرنين على إقرار تصميمه، يظل العلم التونسي شاهدا على مراحل متعاقبة من تاريخ البلاد، من بناء المؤسسات العسكرية في العهد الحسيني إلى الاستقلال وتأسيس الجمهورية وتكريس الرموز الوطنية في الدستور والقانون.
وبين دلالاته التاريخية ومكانته في الحياة العامة، تتجدد أهمية هذه الذكرى باعتبارها فرصة لفهم المسار الذي قطعته الدولة التونسية، واستحضار ما مرت به من تحولات، بعيدا عن اختزال الراية في ألوانها ورموزها وحدها.
فالعلم الذي رافق تونس عبر مراحل مختلفة لم يعد مجرد علامة تميزها عن غيرها، بل أصبح جزءا من ذاكرتها الجماعية، تختزن فيه الأجيال المتعاقبة معاني الانتماء والسيادة واستمرارية الهوية الوطنية.



