715 مليون دينار لتطوير الاتصالات في تونس.. هل تصل ثمار الاستثمار الرقمي إلى جميع الجهات؟
استثمارات ضخمة لتحديث البنية التحتية الرقمية

تستعد تونس لمواصلة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، في توجه يهدف إلى تحسين جودة الاتصالات وتوسيع النفاذ إلى الإنترنت عالي التدفق، بالتوازي مع تطوير الخدمات الرقمية وتعزيز الاستقلالية التكنولوجية. ووفق التوجهات الواردة في مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، الذي أعدته وزارة الاقتصاد والتخطيط، ستتجه الجهود خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع شبكات الألياف البصرية والجيل الخامس، إلى جانب تطوير الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية.
وتأتي هذه التوجهات في سياق استثمارات عمومية مبرمجة في قطاع تكنولوجيات الاتصال خلال سنة 2026، يُنتظر أن تبلغ قيمتها 715.9 مليون دينار، منها 427.9 مليون دينار في شكل مشاريع تنجزها المؤسسات العمومية. وتستحوذ الشركة الوطنية للاتصالات على استثمارات بقيمة 315 مليون دينار، فيما تبلغ استثمارات الديوان الوطني للبريد 98 مليون دينار، وفق المعطيات الواردة في الوثيقة.
الألياف البصرية والجيل الخامس في صدارة الأولويات
تراهن تونس على مواصلة توسيع شبكة الألياف البصرية واستكمال مشروع التغطية الشاملة للمناطق ذات الأولوية، بما يسمح بتحسين سرعة الاتصال واستقراره وتوفير بنية تحتية قادرة على مواكبة الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية. وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة في ظل توسع استعمال الإنترنت في الأنشطة الاقتصادية والتعليمية والإدارية، وارتفاع الحاجة إلى اتصالات موثوقة في مختلف مناطق البلاد.
وفي السياق ذاته، تتجه السلطات إلى مواصلة تنفيذ البرنامج الوطني للإيقاف التدريجي لتكنولوجيا الجيل الثالث، وإعادة توظيف الترددات لفائدة شبكات الجيلين الرابع والخامس. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين جودة الخدمات واستغلال الموارد الترددية بصورة أكثر نجاعة، بما يدعم تطور الاستعمالات الرقمية ويفتح المجال أمام خدمات جديدة تتطلب سرعات أعلى وقدرة أكبر على نقل البيانات.
الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية لفك العزلة الرقمية
ولا تقتصر الخطط المعلنة على تطوير الشبكات التقليدية، إذ تعتزم تونس وضع إطار تنظيمي يسمح بتوفير خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، خصوصا في المناطق التي يصعب ربطها بالبنية التحتية الأرضية. ويمكن لهذا الخيار أن يمثل حلا مكملا لتوسيع التغطية، شريطة توفير شروط تنظيمية وتقنية وتجارية تضمن استمرارية الخدمة وقدرة المستخدمين على تحمل تكلفتها.
وتبرز أهمية هذا التوجه في تقليص الفوارق بين المناطق الحضرية والداخلية في النفاذ إلى الإنترنت، باعتبار أن جودة الاتصال أصبحت عاملا مؤثرا في فرص الاستثمار والعمل والتعلم والحصول على الخدمات. غير أن نجاح هذه المقاربة لن يُقاس بمجرد إتاحة التكنولوجيا، بل بمدى وصولها الفعلي إلى المواطنين والمؤسسات الذين لا تزال التغطية التقليدية لا تستجيب لاحتياجاتهم.
مركز للحوسبة فائقة الأداء لدعم الذكاء الاصطناعي
ومن بين المشاريع التي تتضمنها التوجهات المستقبلية، الشروع في إنجاز مركز للحوسبة فائقة الأداء، يُفترض أن يوفر قدرات متقدمة لمعالجة البيانات الضخمة واستضافة التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي. ويمثل هذا المشروع توجها نحو تطوير الإمكانات الوطنية في مجال الحوسبة، وتقليص الاعتماد على البنى التكنولوجية الخارجية، بما يدعم الاستقلالية الرقمية للبلاد.
وتتجاوز أهمية هذا النوع من المراكز الجانب التقني، إذ يمكن أن يوفر إمكانات جديدة للإدارة والمؤسسات الاقتصادية والجامعات ومراكز البحث، من خلال دعم معالجة البيانات وتطوير التطبيقات والخدمات الرقمية. لكن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطا بتوفير التجهيزات والموارد البشرية المختصة، وضمان استغلال القدرات المتاحة في مشاريع ذات قيمة اقتصادية وعلمية ملموسة.
التحدي الحقيقي: جودة الخدمة وتقليص الفجوة بين الجهات
رغم أهمية الاستثمارات المبرمجة، فإن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل الاعتمادات المالية والمشاريع التقنية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين والمؤسسات. فالتوسع في الشبكات لا يكفي وحده إذا لم ينعكس على سرعة الإنترنت واستقرارها وكلفة الاشتراكات، أو إذا ظلت بعض المناطق تعاني ضعف التغطية وصعوبة النفاذ إلى الخدمات الرقمية.
ومن هذا المنطلق، ستتوقف النتائج المنتظرة على نجاعة تنفيذ المشاريع واحترام آجالها، ومدى التنسيق بين المؤسسات المعنية، إلى جانب اعتماد مؤشرات واضحة لقياس جودة الخدمة وتطور التغطية وتراجع الفوارق الجهوية. فالبنية التحتية الرقمية ليست غاية في حد ذاتها، بل أداة لدعم الاستثمار والإنتاجية وتحديث الإدارة وتحسين الخدمات العمومية.
وتسعى تونس، من خلال هذه التوجهات، إلى جعل القطاع الرقمي أحد روافع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن نجاح هذا المسار سيُقاس في النهاية بمدى قدرة المواطن في مختلف الجهات على الحصول على إنترنت سريع وموثوق وبكلفة معقولة، وبقدرة المؤسسات التونسية على تحويل التطور التكنولوجي إلى فرص جديدة للنمو والتشغيل والابتكار.



