اقتصاد

نادية الورتاني عبعوب: الذكاء الاصطناعي في الجامعة بين فرص الابتكار ومخاطر الغش.. “البحث والإنجاز مسؤولية الطالب”

مديرة المدرسة العليا للتجارة بتونس تدعو إلى ترسيخ أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الجامعات، وتؤكد ضرورة تطوير أساليب التقييم لضمان استقلالية الطالب وقدرته على التفكير والتحليل

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة تثير اهتمام الأوساط العلمية والتكنولوجية، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، فاتحًا آفاقًا جديدة أمام الطلبة والباحثين، لكنه يطرح في المقابل أسئلة جوهرية حول الأمانة العلمية، واستقلالية التفكير، ومدى قدرة المنظومة الجامعية على التكيف مع التحولات الرقمية المتسارعة. وبين الاستفادة من الإمكانات التي توفرها هذه الأدوات، وتجنب تحولها إلى وسيلة لإنجاز الأعمال بدلًا من الطالب، تتأكد الحاجة إلى وضع ضوابط واضحة تضمن توظيف التكنولوجيا في خدمة المعرفة، لا على حسابها.

وفي هذا السياق، شددت نادية الورتاني عبعوب، مديرة المدرسة العليا للتجارة بتونس، خلال مشاركتها في المؤتمر الدولي التونسي للاقتصاد والمالية والمحاسبة «TICEFA 2026»، على أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الوسط الجامعي يجب أن يقوم على الأخلاق والمسؤولية، معتبرة أن الاستعانة بهذه الأدوات لا ينبغي أن تصل إلى حد التعويل عليها لإنجاز البحوث والأعمال بصورة كاملة، لأن البحث والتحليل والإنجاز تظل مسؤولية الطالب بالأساس.

الذكاء الاصطناعي في الجامعة.. أداة للمساعدة لا بديل عن التفكير

ترى نادية الورتاني عبعوب أن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بمجرد استخدام الطلبة للذكاء الاصطناعي، بل بالطريقة التي يجري بها توظيفه، وبمدى احترام القواعد الأخلاقية والأكاديمية التي يفترض أن تحكم العملية التعليمية والبحثية. فهذه التكنولوجيا باتت قادرة على المساعدة في جمع المعلومات وتنظيمها، وتفسير المفاهيم، وتحسين الصياغة، والتحقق من بعض المعطيات، وهو ما يجعلها أداة يمكن أن تضيف قيمة حقيقية إلى المسار الجامعي إذا أحسن الطالب استخدامها.

غير أن هذه الإمكانات قد تتحول إلى مصدر إشكال عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو الذي ينتج العمل بدلًا من صاحبه، فيكتفي الطالب بتقديم أسئلة إلى المنصة الرقمية ثم تسليم الإجابات التي يحصل عليها باعتبارها ثمرة جهده الشخصي. وفي هذه الحالة، لا يعود الأمر متعلقًا بالاستفادة من التكنولوجيا، وإنما بمسألة تمس جوهر التكوين الجامعي، القائم على اكتساب المعرفة وتنمية القدرة على التحليل والاستنتاج وبناء المواقف العلمية المستقلة.

ومن هذا المنطلق، تؤكد مديرة المدرسة العليا للتجارة بتونس أن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي لا يعني إقصاءه من الجامعة أو منع الطلبة من الاستفادة منه، بل وضعه في إطاره الصحيح، باعتباره وسيلة مساعدة لا يمكن أن تحل محل الجهد الذهني للطالب. فالقيمة الحقيقية للبحث الجامعي لا تكمن في إنتاج نص متماسك فحسب، وإنما في قدرة صاحبه على فهم الموضوع، ومناقشة أفكاره، والتحقق من المعلومات، والدفاع عن النتائج التي توصل إليها.

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.. مسؤولية تتجاوز الطالب إلى الجامعة

لا يمكن، وفق هذا التصور، ترك مسألة الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي لاجتهادات الطلبة وحدهم، إذ تقتضي التحولات التي يشهدها التعليم العالي وضع إطار مؤسساتي واضح يحدد القواعد المنظمة للاستعانة بهذه الأدوات، ويوضح ما هو مقبول في الأعمال والبحوث الأكاديمية وما يتعارض مع مبادئ النزاهة العلمية.

وفي هذا الإطار، دعت الورتاني عبعوب إلى العمل على إرساء ضوابط أخلاقية داخل الجامعات، بما يساعد على توحيد المبادئ الأساسية للاستخدام المسؤول، ويمنح الطلبة والأساتذة رؤية أوضح بشأن حدود الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. كما أشارت إلى وجود جهود في هذا الاتجاه داخل جامعة منوبة، معتبرة أن تعميم مثل هذه المقاربات على المستوى الوطني من شأنه أن يساهم في بناء ثقافة جامعية مشتركة، تتعامل مع التطور التكنولوجي بوعي ومسؤولية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وصعوبة التمييز أحيانًا بين العمل الذي أنجزه الطالب بنفسه والعمل الذي اعتمد فيه بصورة مفرطة على أنظمة توليد المحتوى. لذلك، فإن وضع قواعد واضحة لا ينبغي أن يقتصر على التنبيه إلى مخاطر الغش أو النقل غير المشروع، بل يجب أن يشمل أيضًا توعية الطلبة بكيفية توثيق مساهمة هذه الأدوات، والتحقق من صحة المعلومات التي تقدمها، وتحمل مسؤولية المحتوى النهائي الذي ينجزونه.

كما أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطًا بمدى انخراط المؤسسات الجامعية والأساتذة والطلبة في صياغة ثقافة جديدة للنزاهة الأكاديمية، لا تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها خطرًا ينبغي محاربته، بل باعتبارها تحولًا يستوجب تطوير الممارسات التعليمية وأساليب التقييم بما يحافظ على مصداقية الشهادات الجامعية وقيمة الكفاءات المتخرجة.

هل تكفي البحوث المكتوبة لتقييم مستوى الطالب؟ امتحان جديد أمام الأساتذة

من أبرز التحديات التي يطرحها انتشار الذكاء الاصطناعي، بحسب ما تضمنه الحوار، ضرورة إعادة التفكير في طرق تقييم الطلبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبحوث والتقارير والأعمال التي يمكن إعدادها بمساعدة أدوات توليد النصوص. فالحصول على بحث جيد من الناحية اللغوية والشكلية لم يعد بالضرورة دليلًا كافيًا على أن الطالب يمتلك المعرفة المطلوبة أو أنه قادر على تحليل الموضوع بنفسه.

وتبرز هنا أهمية تطوير أساليب التقييم بما يسمح للأساتذة بالوقوف على حقيقة مستوى الطالب، بدل الاكتفاء بقراءة المنتج النهائي الذي يقدمه. ويمكن أن يشمل ذلك مناقشة الطالب في بحثه، وطرح أسئلة تتصل بمنهجيته ومصادره والنتائج التي توصل إليها، إلى جانب اعتماد اختبارات وتقييمات حضورية تكشف قدرته على الفهم والاستنتاج والتفاعل مع المسائل المطروحة.

فإذا كان الطالب قد أنجز بحثًا حول موضوع اقتصادي أو مالي، فإن المعيار الأساسي لا ينبغي أن يكون جودة النص وحدها، بل مدى استيعابه للمفاهيم المستخدمة، وقدرته على تفسير المعطيات، ومناقشة الفرضيات، وتبرير اختياراته البحثية. وبذلك يصبح التقييم وسيلة لقياس الكفاءة الفعلية، لا مجرد اختبار لجودة الصياغة أو سلامة العرض.

وتزداد أهمية هذه المقاربة في التكوينات التي تتطلب قدرًا مرتفعًا من التحليل والتفكير النقدي، إذ إن الاعتماد المفرط على الإجابات الجاهزة قد يحرم الطالب من فرصة اكتساب المهارات التي يحتاج إليها لاحقًا في حياته المهنية. فالجامعة لا تتمثل مهمتها في تخريج أشخاص قادرين على الوصول إلى المعلومات فحسب، وإنما في إعداد كفاءات تستطيع فهمها وتقييمها واستخدامها في معالجة المشكلات واتخاذ القرارات.

من الجامعة إلى سوق الشغل.. الكفاءة الحقيقية لا تختزل في إجابة جاهزة

لا تتوقف تداعيات الذكاء الاصطناعي عند حدود العلاقة بين الطالب والأستاذ، بل تمتد إلى طبيعة الكفاءات التي يحتاج إليها سوق الشغل في ظل التحولات الرقمية. فالمؤسسات الاقتصادية أصبحت مطالبة بالتعامل مع أدوات جديدة تتيح تسريع بعض المهام وتحسين معالجة المعلومات، لكن الاستفادة منها تظل مرتبطة بوجود موارد بشرية قادرة على الفهم والتحليل والتحقق من النتائج واتخاذ القرارات المناسبة.

ومن هذا المنطلق، تكتسب الدعوة إلى الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بعدًا يتجاوز حماية النزاهة الأكاديمية، لتشمل أيضًا جودة التكوين الجامعي ومدى قدرة المؤسسات التعليمية على إعداد خريجين يمتلكون المعرفة والمهارات اللازمة لمواكبة التطورات المهنية. فالطالب الذي يتعود الاعتماد على الإجابات الجاهزة دون فهمها قد يجد صعوبة في التعامل مع وضعيات عملية تتطلب المبادرة والتفكير النقدي وتحمل المسؤولية.

أما الطالب الذي يتعلم توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة واعية، فيمكنه الاستفادة من سرعة هذه الأدوات وقدرتها على معالجة المعلومات، مع الاحتفاظ بدوره الأساسي في التحقق والتقييم وصياغة الاستنتاجات. وهذه هي المعادلة التي تبدو ضرورية لمستقبل التعليم العالي: الجمع بين المهارات الرقمية والقدرات الإنسانية التي تمنح العمل قيمته، وفي مقدمتها التفكير المستقل والنزاهة والمسؤولية.

“TICEFA 2026”.. منصة للحوار بين الجامعة والاقتصاد والبحث العلمي

وفي جانب آخر من الحوار، تطرقت مديرة المدرسة العليا للتجارة بتونس إلى المؤتمر الدولي «TICEFA 2026»، الذي جمع أكاديميين وباحثين ومختصين حول قضايا الاقتصاد والمالية والمحاسبة، مع التركيز على موضوع «المالية التجديدية 2.0: التآزر بين الذكاء الاصطناعي والحوكمة من الجيل الجديد».

وأوضحت أن تنظيم المؤتمر يستند إلى تعاون بين مخابر بحث جامعية، من بينها مخبر «LIGUE» بالمدرسة العليا للتجارة بتونس، تحت إشراف الأستاذ كميل النعيمي، ومخبر «LARIME» بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس، تحت إشراف الأستاذ عامر عادي البوبكري، وفق الأسماء والتسميات الواردة في الحوار. ويعكس هذا التعاون أهمية العمل المشترك بين الهياكل البحثية في تنظيم التظاهرات العلمية وتبادل الخبرات وتطوير النقاش الأكاديمي حول القضايا الاقتصادية الراهنة.

ويمثل اختيار المالية التجديدية والذكاء الاصطناعي والحوكمة محورًا للمؤتمر استجابة للحاجة إلى فهم التحولات التي يشهدها القطاع المالي، وما تتيحه التقنيات الحديثة من إمكانات لتطوير الممارسات والمؤسسات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالشفافية والمسؤولية وجودة القرارات. كما يفتح الموضوع المجال أمام الباحثين لمناقشة العلاقة بين الابتكار المالي ومتطلبات الحوكمة، في وقت تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا في إدارة البيانات وتقييم المخاطر وتطوير الخدمات.

ولا تقتصر قيمة هذه اللقاءات على تقديم المداخلات العلمية، بل تمتد إلى إتاحة الفرصة أمام الطلبة للتعرف على تطورات البحث والتواصل مع أكاديميين ومختصين من تونس والخارج، بما يساعد على تقريب المعرفة الجامعية من الإشكاليات العملية التي تواجه المؤسسات الاقتصادية والمالية.

ربط البحث العلمي بالواقع الاقتصادي.. رهان على تكوين أجيال جديدة

وتبرز مشاركة الخبراء والفاعلين من خارج الوسط الجامعي، إلى جانب الباحثين والأساتذة، أهمية بناء جسور أكثر متانة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي. فالتكوين الأكاديمي يكتسب قيمة أكبر عندما يتيح للطلبة فهم كيفية توظيف المعارف النظرية في معالجة التحديات الواقعية، والتعرف على انتظارات المؤسسات والتحولات التي يشهدها سوق الشغل.

وفي هذا السياق، توفر المؤتمرات العلمية فرصة لتبادل التجارب ومناقشة المستجدات التي تؤثر في الاختصاصات الجامعية، كما تسمح للطلبة بالاحتكاك بخبرات متنوعة، وفهم طبيعة المهارات التي يحتاجون إليها من أجل الاندماج المهني. ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في مجالات الاقتصاد والمالية والتصرف، التي تتطلب مواكبة مستمرة للتطورات التكنولوجية والتشريعية والمؤسساتية.

وتعكس هذه الرؤية، في جانب منها، مسؤولية الجامعة التونسية في إعداد أجيال قادرة على مواكبة التغيير والمساهمة في التنمية الاقتصادية، من خلال الجمع بين التكوين العلمي الجيد والانفتاح على المحيط المهني وترسيخ قيم المسؤولية والنزاهة.

وفي ختام الحوار، أكدت نادية الورتاني عبعوب أهمية الاهتمام بالجامعة التونسية وبالطلبة باعتبارهم جيل المستقبل، مشددة على ضرورة توفير الظروف التي تساعدهم على اكتساب المعرفة وتطوير قدراتهم والاستعداد لتحمل مسؤولياتهم في المجتمع.

وبين الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي والمخاطر التي قد تنشأ عن إساءة استخدامه، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: مستقبل الجامعة لا يتوقف على قدرتها على إدماج التكنولوجيا في التعليم والبحث فحسب، بل أيضًا على نجاحها في حماية استقلالية الطالب الفكرية، وضمان نزاهة أعماله، وتكوين جيل قادر على استخدام الأدوات الحديثة دون التخلي عن التفكير والتحليل وتحمل المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى