المعهد العالي للتصرف بتونس يحتضن الدورة السادسة من معرض التشغيل.. جسر يربط الجامعة بسوق الشغل ويفتح آفاقا جديدة أمام الشباب

وتأتي هذه الدورة لتؤكد أهمية المبادرات التي تسعى إلى تقليص المسافة بين التكوين الأكاديمي والحياة المهنية، من خلال إتاحة الفرصة للطلبة للتعرف على المؤسسات المشغلة، واستكشاف فرص العمل والتربص، إلى جانب الاستفادة من تجارب المهنيين ورواد الأعمال والخبراء في مجالات متعددة.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الاقتصاد في صدارة النقاشات
وشهدت التظاهرة برنامجاً ثرياً من المداخلات وورشات العمل والنقاشات التفاعلية، التي تناولت جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل المهن والتحولات الرقمية ومتطلبات النجاح في سوق العمل.
وفي هذا السياق، قدم كريم أحراس، الرئيس التنفيذي لشركة Netcom Tunisia، المداخلة الافتتاحية، مسلطاً الضوء على ملامح الاقتصاد القادم في عصر الذكاء الاصطناعي، وما يفرضه هذا التحول من تحديات وفرص جديدة أمام المؤسسات والموارد البشرية، وخاصة الأجيال الشابة التي تستعد لدخول الحياة المهنية.
كما تناول زياد باشا، رائد الأعمال في المجال التكنولوجي والرئيس التنفيذي لشركتي Clevory و TED University، موضوع الذكاء الاصطناعي من خلال ورشة عمل حملت عنوان «الذكاء الاصطناعي: هل نكتفي بمواكبة المستقبل أم نساهم في صناعته؟»، حيث ركزت على أهمية فهم التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها في الابتكار والتحول الرقمي، بدل الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها تغييراً مفروضاً على المؤسسات والأفراد.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الاقتصاد.. هل يصنع الشباب المستقبل أم يكتفون بمواكبته؟
وفي سياق النقاش حول التحولات التكنولوجية المتسارعة، قدم زياد باشا، ورشة عمل بعنوان «الذكاء الاصطناعي: هل نكتفي بمواكبة المستقبل أم نساهم في صناعته؟»، تناول خلالها التأثير المتنامي للذكاء الاصطناعي والأتمتة والتكنولوجيات الحديثة على المهن والمؤسسات الاقتصادية ومختلف جوانب الحياة اليومية.
وأكد باشا أن التحدي الحقيقي الذي تفرضه هذه التحولات لا يقتصر على الجانب التكنولوجي، بل يتجاوز ذلك إلى البعد الإنساني، باعتبار أن المرحلة القادمة تتطلب من الأفراد، وخاصة الشباب، الاستعداد لاكتساب مهارات جديدة وتطوير قدراتهم بما يتلاءم مع طبيعة الوظائف التي يعاد تشكيلها بفعل التطور الرقمي.
وشدد في حديثه مع الطلبة على أن التعامل مع هذه المتغيرات يجب ألا يظل في حدود انتظار ما ستفرزه التكنولوجيا من تحولات، بل ينبغي أن يتحول إلى فرصة للمبادرة والابتكار والمساهمة الفعلية في صناعة المستقبل. فالمستقبل، وفق الرسالة التي حرص على إيصالها إلى الشباب المشاركين، لن يكون من نصيب الذين ينتظرون التغيير، وإنما أولئك الذين يمتلكون الجرأة والإرادة لصناعته.
وقد شكلت هذه الورشة فرصة لفتح نقاش حول مسؤولية الجيل الجديد في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، ليس باعتباره مجرد أداة تقنية، وإنما باعتباره تحولاً عميقاً يفرض إعادة التفكير في المهارات المطلوبة وفي طبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا داخل عالم الأعمال.
مهارات التواصل والتسويق المستدام.. استعدادات تتجاوز الشهادة الجامعية
ولم تقتصر فعاليات المعرض على الجانب التكنولوجي، بل امتدت إلى المهارات الشخصية والمهنية التي أصبحت عاملاً أساسياً في تعزيز حظوظ الباحثين عن العمل.
وفي هذا الإطار، أشرفت المحامية والمستشارة والمدربة ساندا باربورا على ورشة تحضيرية بعنوان «الاستعداد وإبراز القدرات وبناء العلاقات»، قدمت خلالها جملة من التوجيهات العملية لمساعدة الطلبة على تقديم أنفسهم بصورة أفضل، والتواصل بثقة مع المؤسسات، واستثمار فرص اللقاءات المهنية بفاعلية.
كما شهد البرنامج تنظيم جلسة حوارية بعنوان «نقاشات يقودها الطلبة»، بإشراف الدكتورة سوسن لخضر اليحياوي، المختصة في استراتيجية المناخ والاتصال والتسويق المستدام، ونائبة رئيس شبكة WorldGBC MENA، حيث مثلت الجلسة فرصة للطلبة للتعبير عن آرائهم ومناقشة قضايا مهنية وبيئية واقتصادية، والاستفادة من خبرة تمتد لأكثر من 19 عاماً في مجال التعليم العالي.
تجارب رواد الأعمال.. قصص نجاح تنقل الطلبة من النظريات إلى الواقع
ومن أبرز محطات الدورة السادسة أيضاً، فقرة شهادات النجاح في ريادة الأعمال، التي أتاحت للطلبة فرصة التعرف على تجارب ميدانية حقيقية، وما رافقها من تحديات وصعوبات ومحطات نجاح.
وفي هذا السياق، تقاسم محمد الرماح، الشريك المؤسس والمدير التجاري والتقني بشركة WAYOUT، تجربته في عالم ريادة الأعمال، مقدماً صورة عملية عن أهمية المثابرة والجرأة والمبادرة في تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطور والنمو.
وتكتسي مثل هذه اللقاءات أهمية خاصة بالنسبة إلى الطلبة، باعتبارها تضعهم أمام تجارب واقعية تتجاوز المعارف النظرية، وتساعدهم على فهم متطلبات بعث المشاريع وإدارة المؤسسات والتعامل مع تحديات المحيط الاقتصادي.
المؤسسات الاقتصادية حاضرة لربط الكفاءات الشابة بفرص التشغيل
وعلى مستوى التواصل المباشر مع سوق الشغل، سجل المعرض مشاركة عدد من المؤسسات والشركات العارضة، التي مثل حضورها فرصة للتعريف بأنشطتها واحتياجاتها من الكفاءات والاختصاصات، فضلاً عن التواصل مع الطلبة والخريجين واستكشاف الطاقات الشابة القادرة على الاندماج في محيط العمل.
كما خصصت المؤسسة البنكية BIAT فقرة ضمن البرنامج للتعريف بمجال نشاطها والتواصل مع الطلبة، في إطار اهتمامها بالشباب ومرافقة الكفاءات الجديدة.
ويؤكد هذا الحضور أن معارض التشغيل لم تعد مجرد مناسبات للتعريف بالمؤسسات، بل أصبحت فضاءات عملية للتقارب بين المشغلين والباحثين عن فرص مهنية، بما يسمح بفهم أفضل لحاجيات سوق الشغل وتطوير جسور التعاون بين الجامعة والمحيط الاقتصادي.
تعاون جامعي ومؤسساتي وراء نجاح الدورة السادسة
وقد ساهم في إنجاح هذه الدورة عدد من الأطراف الجامعية والمؤسساتية، يتقدمهم رئيس جامعة تونس الأستاذ سليم دريّس، الذي حظي حضوره ودعمه للمؤسسة الجامعية بتقدير القائمين على التظاهرة، إلى جانب مدير المعهد العالي للتصرف بتونس الأستاذ سليم الشواشي، الذي واكب تنظيم هذا الموعد ودعم مختلف مراحله.
كما اضطلعت مؤسسة «Smart Marketing Advisors»، وهي مؤسسة طلابية، بدور محوري في الإعداد والتنظيم، بقيادة رئيستها رفـقة العبيدي وفريقها، من خلال أشهر من العمل والمتابعة والتنسيق، بما ساهم في توفير الظروف الملائمة لإنجاح هذه الدورة.
ولم يغب عن هذا النجاح دور الإطارات الجامعية وأعوان المعهد والمتطوعين، الذين ساهموا في مختلف الجوانب التنظيمية واللوجستية، فضلاً عن المشاركة الفاعلة للطلبة الذين شكلوا محور هذه التظاهرة وغايتها الأساسية.
وبنجاح دورتها السادسة، تواصل تظاهرة «ISG Job Fair» ترسيخ موقعها كموعد جامعي ومهني يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية، ويؤكد أن إعداد الشباب لمتطلبات المستقبل لا يقتصر على التكوين داخل قاعات الدرس، بل يتطلب أيضاً الانفتاح على المؤسسات الاقتصادية، واكتساب المهارات، وبناء العلاقات المهنية، ومواكبة التحولات المتسارعة التي تعيد رسم ملامح سوق الشغل.



