سامي المنسي: الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية.. وتونس مطالبة برفع القيود عن المؤسسات الصغرى لاقتحام المستقبل

وفي هذا السياق، شدّد الأستاذ الجامعي في الاقتصاد ورئيس قسم الاقتصاد بالمدرسة العليا للتجارة بتونس، سامي المنسي، على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً إضافياً يمكن تأجيل اعتماده، بل أصبح ضرورة حياتية واقتصادية لا مفر منها، معتبراً أن القدرة على استيعاب هذه التكنولوجيا وتوظيفها ستحدد إلى حد بعيد قدرة الأفراد والمؤسسات والدول على مواكبة التحولات الاقتصادية المقبلة.
من تكنولوجيا تكميلية إلى ضرورة استراتيجية.. الذكاء الاصطناعي يعيد رسم قواعد المنافسة
يرى سامي المنسي أن النظرة إلى الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تتجاوز اعتباره مجرد موضة تكنولوجية أو أداة حديثة أضيفت إلى وسائل العمل التقليدية، فقد انتقل العالم إلى مرحلة بات فيها الاعتماد عليه ضرورة فعلية تفرضها طبيعة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. فهذه التكنولوجيا لم تعد مقتصرة على تحسين بعض الخدمات أو تسريع إنجاز المهام، وإنما أصبحت عاملاً مؤثراً في تنظيم المؤسسات، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وتحسين الاختيارات الاستراتيجية، فضلاً عن دورها في دعم مسارات التنمية والتخطيط للمستقبل.
ويؤكد المنسي أن أهمية الذكاء الاصطناعي تشمل مختلف الفاعلين الاقتصاديين، سواء تعلق الأمر بالأشخاص في حياتهم اليومية، أو بالمؤسسات بمختلف أحجامها، أو بالدولة وأجهزتها وهياكلها. فالحكومات مطالبة اليوم بتوظيف الإمكانات التي تتيحها هذه التكنولوجيا لتطوير أدائها وتحسين إدارة مواردها، مثلما تحتاج الشركات إلى الاستفادة منها حتى تتمكن من رفع إنتاجيتها وتحسين جودة خدماتها وتعزيز قدرتها على المنافسة. ومن هذا المنطلق، فإن التأخر في استيعاب التحول الرقمي لا يعني مجرد تفويت فرصة تكنولوجية، بل قد يتحول إلى عامل يضعف موقع المؤسسات والاقتصادات في بيئة دولية لا تتوقف عن التطور.
مؤسسات تونس الصغرى أمام اختبار صعب.. كيف تنافس في اقتصاد تحكمه التكنولوجيا؟
لكن الانتقال من الحديث عن أهمية الذكاء الاصطناعي إلى البحث في شروط اعتماده داخل الاقتصاد التونسي يكشف عن إشكاليات أكثر تعقيداً، ترتبط أساساً بخصوصية النسيج الاقتصادي الوطني. فقد أشار سامي المنسي إلى أن نحو 90 بالمائة من المؤسسات التونسية تنتمي إلى فئة المؤسسات الصغرى والصغيرة جداً، وهو ما يجعل مسألة تعميم الانتفاع بالتكنولوجيات الحديثة مرتبطة بشكل مباشر بقدرة هذه المؤسسات على تجاوز الصعوبات المالية والتنظيمية التي تواجهها.
فالمؤسسات الكبرى تمتلك، في الغالب، إمكانات مالية وبشرية وتقنية تسمح لها بالاستثمار في الحلول الرقمية الحديثة، والتعاقد مع مزودي الخدمات التكنولوجية، وتخصيص موارد لتطوير أنظمة العمل والإدارة. أما المؤسسات الصغرى، فإن وضعها مختلف تماماً، إذ تجد نفسها مطالبة بمواجهة منافسة لا تقتصر على السوق المحلية، بل تمتد إلى منافسين دوليين يمتلكون أدوات تكنولوجية متقدمة وقدرات أكبر على تحسين الإنتاج والتحكم في التكاليف والاستجابة لمتطلبات الأسواق.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: فالمؤسسات الأكثر حاجة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي من أجل تحسين أدائها وتعزيز قدرتها على الصمود والمنافسة، هي نفسها المؤسسات التي تواجه أكبر الصعوبات في الوصول إلى هذه الأدوات. وبالتالي، فإن الحديث عن التحول الرقمي في تونس لا يمكن أن يظل محصوراً في المؤسسات الكبرى أو في التجارب الناجحة التي تمتلك مسبقاً الإمكانات اللازمة، بل ينبغي أن ينطلق من واقع المؤسسات الصغرى التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني.
قانون الصرف يعطّل الوصول إلى التكنولوجيا.. عائق يتجاوز المسألة المالية
ومن بين أبرز العراقيل التي سلّط عليها المنسي الضوء، الصعوبات المرتبطة بقانون الصرف، وما يترتب عنه من تعقيدات في تحويل العملة الصعبة وتسديد مستحقات الخدمات الرقمية والتكنولوجية المقدمة من مؤسسات أجنبية.
فالمؤسسات التونسية الصغرى التي ترغب في الاشتراك في منصات الذكاء الاصطناعي أو الاستفادة من خدماتها المهنية تجد نفسها أحياناً أمام إجراءات وصعوبات تتجاوز قدراتها الإدارية والمالية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد اقتناء تجهيزات أو استثمارات مادية، وإنما بخدمات رقمية أصبحت جزءاً من متطلبات العمل اليومي والتسيير والتسويق وتحليل البيانات والتواصل مع الأسواق.
وتزداد حدة هذه الإشكالية عندما ندرك أن العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي والخدمات المرتبطة بها توفرها شركات ومنصات دولية، وهو ما يجعل الانتفاع بها مرتبطاً بإمكانية إتمام عمليات الدفع والتحويل بالعملة الأجنبية. ومن ثم، فإن القيود والإجراءات القائمة قد تتحول إلى حاجز حقيقي أمام المؤسسات التونسية الصغيرة، في الوقت الذي يستفيد فيه منافسوها في اقتصادات أخرى من هذه الأدوات لتطوير أنشطتهم وتحسين مواقعهم التنافسية.
وهذا ما يجعل مراجعة الإطار القانوني المنظم للمعاملات المالية الخارجية مسألة تتجاوز الجوانب الإجرائية، لتصبح جزءاً من النقاش الأوسع حول قدرة تونس على تهيئة بيئة اقتصادية تستوعب التحولات التكنولوجية وتمنح مؤسساتها فرصاً أكثر عدالة للنفاذ إلى أدوات المستقبل.
الحوكمة والتمويل المتجدد.. مدخل جديد لجعل التكنولوجيا في خدمة الاقتصاد والمجتمع
وفي معرض حديثه عن هذه التحديات، أوضح سامي المنسي أن مسألة الحوكمة احتلت موقعاً محورياً ضمن النقاشات التي شهدها المؤتمر، وهو ما يعكس أهمية التفكير في الأطر التنظيمية والمؤسساتية القادرة على مواكبة التحولات التي تفرضها الثورة الرقمية.
فالانتفاع بالذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند توفير التكنولوجيا أو إقناع المؤسسات بأهميتها، بل يحتاج أيضاً إلى سياسات عمومية وقوانين مرنة وآليات تمويل تستجيب لخصوصيات النسيج الاقتصادي، وخاصة المؤسسات الصغرى والصغيرة جداً. وتتحمل هياكل الإشراف والجهات المعنية مسؤولية التفكير في مراجعات جدية للتشريعات القائمة، بما يسمح بتذليل الصعوبات أمام هذه المؤسسات وتسهيل تعاملاتها المالية وتمكينها من الاستفادة من الخدمات الرقمية المتاحة عالمياً.
وفي هذا الإطار، يكتسب مفهوم التمويل المتجدد أهمية خاصة، باعتباره توجهاً يسعى إلى تجاوز المقاربات التقليدية للتمويل، وربط الأدوات المالية بأهداف اقتصادية واجتماعية أوسع. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس مجرد تمويل المؤسسات حتى تتمكن من مواصلة نشاطها، وإنما توفير آليات تساعدها على الاندماج بصورة أفضل في الاقتصاد، وتطوير قدراتها الإنتاجية، وتوسيع مساهمتها في خلق القيمة والثروة.
ويحمل هذا التوجه بعداً اجتماعياً لا يقل أهمية عن بعده الاقتصادي، إذ إن تمكين المؤسسات الصغرى من التكنولوجيا والتمويل وفرص المنافسة من شأنه أن يعزز دورها في المجتمع، ويساهم في الحد من الفوارق الاجتماعية، ويدعم نشأة مؤسسات أكثر شمولاً وقدرة على خلق فرص العمل وتحقيق التنمية. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي، في إطار الحوكمة والتمويل المتجدد، وسيلة لتوسيع دائرة الانتفاع بالتقدم التكنولوجي، عوض أن يتحول إلى امتياز يقتصر على المؤسسات الأكثر قوة وإمكانات.
لا تنمية دون ذكاء اصطناعي.. وتونس مطالبة بتحويل القناعة إلى قرارات
إن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من مداخلة سامي المنسي تتمثل في أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس لم يعد مرتبطاً بإثبات أهمية الذكاء الاصطناعي، فهذه الأهمية أصبحت واضحة في مختلف التجارب الاقتصادية العالمية، وإنما بكيفية ضمان وصول منافعه إلى مختلف مكونات الاقتصاد الوطني.
فإذا كانت المؤسسات الكبرى قادرة نسبياً على الاندماج في التحول التكنولوجي بفضل إمكاناتها، فإن ترك المؤسسات الصغرى خارج هذه الديناميكية من شأنه أن يوسع الفجوة بينها وبين بقية الفاعلين الاقتصاديين، ويحد من قدرتها على المنافسة والتطور. ولذلك، فإن بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحولات المقبلة يمر بالضرورة عبر إزالة العراقيل التي تعترض هذه المؤسسات، وتطوير التشريعات، وتيسير النفاذ إلى الخدمات الرقمية، وإرساء منظومة تمويل وحوكمة تستوعب متطلبات المرحلة الجديدة.
فالذكاء الاصطناعي، كما يؤكد المنسي، لم يعد ترفاً تكنولوجياً أو مجرد إضافة إلى وسائل الإنتاج، بل أصبح ضرورة تفرض نفسها على الجميع. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل تونس اليوم ليس ما إذا كانت ستدخل عصر الذكاء الاصطناعي، وإنما ما إذا كانت ستنجح في جعل هذا التحول فرصة تشمل اقتصادها بأكمله، أم ستترك جزءاً مهماً من مؤسساتها عاجزاً عن مواكبة سباق عالمي تتحدد فيه ملامح المستقبل بسرعة غير مسبوقة.




