محجوزات الكوكايين في تونس تضاعفت نحو ألف مرة خلال 10 سنوات.. وأكثر من 101 كلغ في 9 أشهر

لم تعد أرقام حجز المخدرات في تونس مجرّد حصيلة لعمليات أمنية متفرقة، بل أصبحت مؤشراً على تصاعد نشاط شبكات تهريب الكوكايين وتنامي التحديات المرتبطة بمسالك دخوله وترويجه. فخلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، تجاوزت الكميات التي حجزتها مصالح الديوانة 101 كيلوغرام، مقابل 94 كيلوغراماً خلال سنة 2025 بأكملها، في وقت تكشف فيه أرقام وزارة الداخلية عن ارتفاع لافت في المحجوزات خلال العقد الأخير.
وتسلّط هذه الأرقام الضوء على موقع تونس ضمن مسارات تهريب المخدرات في منطقة شمال إفريقيا، وعلى الضغوط المتزايدة التي تفرضها هذه الشبكات على الأجهزة الأمنية والديوانية، خصوصاً مع تعدد طرق التهريب وتداخل المسارات الإقليمية والدولية.
من 150 غراماً إلى أكثر من 140 كيلوغراماً خلال عقد
وفي تصريح يعكس حجم التحول المسجل في هذا المجال، أفاد رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني، محمد علي الشعيبي، بأن كميات الكوكايين المحجوزة تضاعفت نحو ألف مرة خلال عشر سنوات، إذ انتقلت من حوالي 150 غراماً سنة 2013 إلى أكثر من 140 كيلوغراماً سنة 2023.
ولا يتوقف المؤشر عند هذه الأرقام، إذ أعلنت الديوانة التونسية، خلال شهر أكتوبر الماضي، عن حجز أكثر من 101 كيلوغرام من الكوكايين خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، مقابل 94 كيلوغراماً في كامل سنة 2025، و33 كيلوغراماً سنة 2024.
ويعكس هذا التطور تصاعد حجم العمليات التي تستهدفها المصالح المختصة، وإن كانت كميات المحجوزات، في حد ذاتها، لا تكفي لتحديد الحجم الكامل للسوق غير القانونية أو قياس مستوى الاستهلاك الداخلي، باعتبار أن جزءاً من الشحنات قد يكون موجهاً نحو مسارات تهريب أخرى.
الحدود الليبية والموانئ الأوروبية ضمن مسارات التهريب
وفي تفسيره لأسباب ارتفاع المحجوزات، أشار الشعيبي إلى أن التهريب عبر الحدود التونسية الليبية يمثل أحد المسارات التي تستغلها الشبكات الإجرامية، مستفيداً من امتداد الحدود بين البلدين على نحو 460 كيلومتراً، وفق تصريحات سابقة للتلفزة الوطنية.
غير أن المسألة لا تقتصر على الحدود البرية، إذ تشير تقارير دولية إلى وجود تدفقات عكسية للكوكايين من موانئ أوروبية، من بينها مرسيليا وجنوة، باتجاه موانئ تونسية مثل حلق الوادي ورادس.
وتُخفى الشحنات، وفق ما أورده التقرير، داخل سيارات خاصة أو شاحنات تجارية تنقلها بواخر مخصصة لنقل المسافرين والعربات، بما يكشف عن تنوع الأساليب التي تعتمدها شبكات التهريب لاستغلال حركة النقل والتجارة بين ضفتي المتوسط.
ويربط التقرير هذه الظاهرة بوجود ثغرات في الرقابة الحدودية ببعض الموانئ الأوروبية على الشحنات المتجهة نحو جنوب المتوسط، مشيراً إلى أن شمال إفريقيا تُستخدم في بعض المسارات منطقة عبور وإعادة توزيع للمخدرات، وليس بالضرورة وجهة نهائية لكل الشحنات.
السوق التونسية عامل جذب بسبب فارق الأسعار
ومن بين العوامل التي قد تشجع الشبكات الإجرامية على توجيه جزء من الكوكايين نحو تونس، فارق الأسعار المسجل مقارنة بعدد من الأسواق الأوروبية، حيث تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن سعر الكيلوغرام الواحد في تونس يقدّر بنحو 300 ألف دينار.
وفي المقابل، يتراوح سعر الكيلوغرام في أوروبا بين 25 ألف يورو، أي ما يعادل حوالي 84 ألف دينار، و43 ألف يورو، بما يقارب 144 ألف دينار، وفق التقرير الأوروبي عن المخدرات لسنة 2026 الصادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي للمخدرات.
ويجعل هذا الفارق السعري السوق التونسية، بحسب المعطيات المذكورة، مجالاً يمكن أن يحقق عائدات مالية مرتفعة لشبكات التهريب والترويج، وهو ما قد يفسر توجيه جزء من التدفقات نحو الاستهلاك المحلي، مقابل إعادة توزيع شحنات أخرى في بلدان مجاورة.
مراجعة القانون عدد 52.. بين تفكيك الشبكات والوقاية من المخدرات
وأمام هذا التطور، يتواصل النقاش حول مدى قدرة الإطار القانوني الحالي على مواكبة طبيعة الشبكات الإجرامية وأساليب نشاطها. وكان محمد علي الشعيبي قد أكد في تصريح سابق أن وزارة الداخلية تعمل على تنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات، داعياً إلى توفير آليات جديدة تساعد المصالح المختصة على تفكيك الشبكات الإجرامية.
وفي السياق ذاته، أشار مقرر لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب، ياسر القوراري، في تصريح سابق للإذاعة الوطنية، إلى توجه اللجنة نحو مراجعة القانون ذاته، في إطار النقاش المتعلق بتطوير التشريعات المنظمة لمكافحة المخدرات.
في المقابل، يدعو أستاذ القانون الخاص وعلوم الإجرام وعضو المكتب الوطني للمنظمة التونسية للتربية والأسرة، أسامة نور الدين الباسطي، إلى اعتماد قانون جديد يقوم على مقاربة استباقية ووقائية وعلاجية، بدل الاقتصار على المقاربة الزجرية.
وبين تصاعد المحجوزات وتعدد مسالك التهريب والنقاش حول مراجعة التشريعات، تطرح الأرقام المسجلة تحدياً يتجاوز تكثيف العمليات الأمنية وحدها، ليشمل أيضاً تعزيز الرقابة على المعابر والموانئ، وتطوير التعاون الإقليمي والدولي، إلى جانب الوقاية والعلاج والتصدي لشبكات الترويج. فالمعركة مع الكوكايين لا تتعلق فقط بما يقع ضبطه من شحنات، بل كذلك بقدرة الدولة على الحد من مصادر التهريب وتجفيف شبكاته وحماية المجتمع من تداعياته.



