اقتصاد

هندسة الاقتصاد القادم: ثنائية الذكاء الاصطناعي، البعد الإنساني، والحوكمة في أفق تونس المستقبلي

في رحاب «TICEFA 2026».. قراءة في الوعي الاقتصادي الجديد

في إطار الفعاليات العلمية والأكاديمية للمؤتمر الدولي التونسي للاقتصاد والمالية والمحاسبة «TICEFA 2026»، البارز تحت عنوان «المالية التجديدية 2.0: التآزر بين الذكاء الاصطناعي والحوكمة من الجيل الجديد»، تلاقت ثلة من القامات العلمية والجامعية التونسية لصياغة تشخيص دقيق وعميق لمعادلة التنمية المستقبلية. لم يكن المؤتمر مجرد منصة لإلقاء المداخلات الروتينية، بل تحوّل إلى مختبر فكري متجدد تشابكت فيه الرؤى الاستراتيجية، والاقتصاد القياسي للأسرة، والأخلاقيات الأكاديمية، والفيزياء المالية المتقدمة.
يستعرض هذا المقال الجامع التحليلات والآراء الجوهرية التي أثراها كل من:
  • الأستاذ سامي المنسي (رئيس قسم الاقتصاد بالمدرسة العليا للتجارة بتونس)
  • الدكتورة إيمان الهنتاتي (الأستاذة المساعدة في الأساليب الكمية بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس)
  • الأستاذة نادية الورتاني عبعوب (مديرة المدرسة العليا للتجارة بتونس)
  • الأستاذ كمال الناوي (مدير مخبر المخاطر المالية بالمدرسة العليا للتجارة بتونس)
  • الأستاذ عادل بوبكر (عميد كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس)

  • الأستاذ أحمد الوسيعي (أستاذ جامعي مختص في المحاسبة)

1. من الرفاهية التكنولوجية إلى الضرورة الوجودية: النسيج الاقتصادي التونسي واختبار الذكاء الاصطناعي

يقف الاقتصاد التونسي اليوم عند مفترق طرق حاسم في مواجهة موجات التحول الرقمي المتسارعة. وفي هذا الصدد، يؤكد الأستاذ سامي المنسي أن النظرة القاصرة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تكميلية أو “موضة” تكنولوجية عابرة قد انتهت بلا رجعة. لقد غدا الذكاء الاصطناعي ضرورة استراتيجية تفرض نفسها على مستوى الأفراد، والمؤسسات، والدولة على حد سواء.

مأزق المؤسسات الصغرى والعمود الفقري للاقتصاد

إن التحدي الحقيقي في التمكين الرقمي داخل تونس يكمن في البنية الهيكلية لنسيجها الاقتصادي:
  • تمثل المؤسسات الصغرى والصغيرة جداً (TPE/PME) زهاء 90% من النسيج الاقتصادي الوطني.
  • بينما تمتلك المؤسسات الكبرى الموارد المالية والبشرية للاستثمار في التقنيات الرقمية المتقدمة، تعاني المؤسسات الصغرى من هشاشة تنظيمية ومالية تجعل وصولها إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الصعوبة.
  • تنشأ هنا المفارقة الهيكلية: المؤسسات الأكثر حاجة إلى أدوات تحسين الإنتاجية والتحكم في التكاليف لمواجهة المنافسة الشرسة، هي ذاتها الأكثر عجزاً عن نفاذها إلى هذه التكنولوجيات.

قانون الصرف: العائق المالي-التشريعي أمام معانقة المستقبل

يسلط سامي المنسي الضوء على إشكالية محورية تعطل هذا التحول: قانون الصرف القائم الإجراءات.
“إن التحول الرقمي اليوم لا يقتصر على اقتناء التجهيزات المادية، بل يعتمد أساساً على النفاذ السلس إلى الاشتراكات والخدمات السحابية ومكونات الذكاء الاصطناعي المنشورة على المنصات الدولية.”
تتعقد المساطر الإدارية والمالية عند رغبة مؤسسة صغيرة في سداد مستحقات خدمات رقمية بالعملة الأجنبية، مما يحول التشريعات المالية الخارجية من مجرد تنظيم إجرائي إلى حاجز هيكلي يُضعف القدرة التنافسية للمؤسسات التونسية أمام نظيراتها العالمية. ومن ثمّ، فإن مراجعة التشريعات المالية وجعلها أكثر مرونة تتجاوز الاصلاح المالي الضيق لتصبح شرطاً أساسياً لسيادة الاقتصاد التونسي ورسم آفاق تنميته المستدامة.

2. اقتصاد الأسرة والاقتصاد القياسي: عندما تصبح القرارات الإنسانية موضوعاً للتحليل الكمي

على الجانب الآخر من المشهد التنموي، تفتح الدكتورة إيمان الهنتاتي نافذة علمية مبتكرة تتجاوز المقاربات التقليدية للاقتصاد الكلي والجزئي، لترسخ مفهوم «اقتصاد الأسرة» (Économétrie du choix).
البيانات الإحصائية ───► النماذج القياسية الكمية ───► فهم السلوك الاجتماعي ───► توجيه السياسات العمومية

الزواج، الطلاق، والتعليم في الميزان الاقتصادي

توضح الدكتورة الهنتاتي أن القرارات العائلية الأكثر خصوصية ليست بمعزل عن المحيط الاقتصادي:
  1. القرارات المصيرية (الزواج والطلاق): يرتبط القرار الاجتماعي بعوامل الدخل، الاستقرار المهني، القدرة الشرائية، والظروف المعيشية. تتيح أدوات الاقتصاد القياسي تحويل هذه العلاقات إلى نماذج كمية تقيس حجم التأثير وطبيعته بدقة متناهية بعيداً عن الإنطباعات العامة.
  2. الاستثمار في الأبناء والتوجيه التعليمي: عندما تختار الأسرة توجيه أبنائها نحو تخصصات معينة (كالعلوم الرقمية والإعلامية)، فإن هذا القرار يمثل معالجة معقدة لتكاليف التعليم مقابل فرص التشغيل المستقبلية والأجور المتوقعة.

من الإحصاء الصامت إلى المعرفة النافعة

تختزن المؤسسات التونسية (كالمعهد الوطني للإحصاء والمجلس الوطني للإحصاء) حجماً هائلاً من المعطيات والدراسات الإحصائية. إلا أن الرهان الأكبر يكمن في:
  • تطوير جسور التعاون بين الجامعة والهياكل الإحصائية لتحويل المعطيات الخام إلى معرفة علمية ودراسات دقيقة.
  • إخراج البحث العلمي من جدران الكليات وجعله أداة صلبة توفر لصناع القرار مؤشرات موثوقة لتوجيه البرامج والسياسات العمومية نحو تلبية حاجيات المجتمع الحقيقية.

3. الأمانة العلمية والتحدي الرقمي: الذكاء الاصطناعي في الفضاء الجامعي

في خضم التغلغل السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تطرح الأستاذة نادية الورتاني عبعوب قضية جوهرية تتصل بمسؤولية المنظومة الأكاديمية وأخلاقيات المعرفة.

التكنولوجيا كمعين فكري لا كبديل عن العقل

ترسم مديرة المدرسة العليا للتجارة بتونس حداً فاصلاً بين الاستخدام الرشيد والتواكلي للذكاء الاصطناعي:
  • الاستخدام الرشيد: توظيف الأدوات الرقمية لتلخيص المفاهيم، جمع المراجع، تنظيم الأفكار، وتحسين الصياغة.
  • الخطر الأكاديمي: تسليم الجهد العقلي كلياً للآلة والاعتماد على الإجابات الجاهزة، مما يفرغ التكوين الجامعي من مضمونه القائم على التحليل النقدي، الاستنتاج، وبناء الذات العلمية المستقلة.
“إن القيمة الحقيقية للشهادة الجامعية والبحث الأكاديمي لا تقاس بجمالية النص المنشوق أو سلامة صياغته الشكليّة، بل بمدى تمكّن الطالب من المفاهيم وقدرته على مناقشة الفرضيات والدافِعِ عن استنتاجاته.”

تطوير أدوات التقييم وتكريس الأخلاقيات المؤسساتية

لمواجهة هذا التحول، تدعو الأستاذة نادية الورتاني عبعوب إلى خطوات استباقية:
  1. صياغة ميثاق أخلاقي موحد: وضع ضوابط تنظيمية داخل مؤسسات التعليم العالي تُحدد الاستخدام المقبول وأطر النزاهة العلمية (كما يُعمل عليه في جامعة منوبة).
  2. إصلاح أساليب التقييم: الانتقال من التقييم القائم على البحوث المكتوبة المغلقة إلى مناقشات شفاهية واختبارات حضورية تفاعلية تمحص الكفاءة الفعلية للطالب وتستكشف قدرته على التفكير المستقل والتطبيق الميداني.

4. فيزياء المالية والأنظمة المعقدة: نحو مقاربة عابرة للتخصصات لإصلاح الأسواق والاستدامة

يقدم الأستاذ كمال الناوي رؤية علمية متقدمة تدمج العلوم الدقيقة بالمجال المالي، كاسراً الجمود الفكري للنماذج الماليّة التقليدية.

التقاطع بين الرياضيات والفيزياء والمالية

تتجلى قوة الابتكار المالي الحديث في الاستعانة بالمفاهيم الفيزيائية والرياضية العميقة لفهم تقلبات الأسواق:
  • الأنماط الفراكتالية (Fractals): فهم السلوكيات المتكررة والتقلبات المعقدة في أسعار الأسهم والأسواق المالية في حالات عدم اليقين.
  • مفهوم الإنتروبيا (Entropy): قياس درجات الاضطراب العشوائية والتعقيد الهيكلي داخل الأنظمة المالية والمؤسسات الاقتصادية.

الحوكمة الحقيقية في مواجهة “الغسل الأخضر” (Greenwashing)

يتطرق كمال الناوي بكثير من الشفافية إلى قضايا المسؤولية الاجتماعية والبيئية للمؤسسات (ESG):
المفهوم / النمط الممارسة التسويقية (“الغسل الأخضر”) الحوكمة التجميدية المستدامة
الأولوية الاستراتيجية تحسين الصورة العامة وتجميل التقرير السنوي إدراج الاستدامة في عمق القرارات الاستثمارية
الاختبار عند الأزمات التراجع عن الالتزامات والتضحية بالأبعاد الاجتماعية لحماية الأرباح (كما حدث في أزمة 2008) الصمود الهيكلي والموازنة بين المصلحة الاقتصادية والمجتمعية
المستهدف الأساسي الإرباح السريعة وفكر ميلتون فريدمان التقليدي خلق قيمة مضافة مستدامة لجميع الفاعلين والمتداخلين

الشراكة العضوية بين الجامعة والقطاع المالي

لا ينبغي للجامعة أن تظل معزولة في برجها العاجي؛ إذ يشير الأستاذ كمال الناوي إلى أهمية بناء شراكة استراتيجية وتفاعلية تجمع بين الأكاديميين والمهنيين، وذلك من خلال:
  • إدماج قيادات الفاعلين الماليين والمؤسسات البنكية داخل المجالس العلمية والاستشارية للكليات.
  • ملائمة البرامج التعليمية ومشاريع البحث مع التحديات الميدانية الفعلية لسوق الشغل والقطاع البنكي والمالي.

5. التمويل التجديدي والعدالة المناخية: من استعادة الثروات الطبيعية إلى هندسة اقتصاد أخضر أكثر إنصافاً

لا تكتمل الرؤية المستقبلية للاقتصاد دون إعادة النظر في العلاقة بين النمو الاقتصادي والموارد الطبيعية، وفي كيفية توزيع كلفة الأضرار البيئية بين الدول. وفي هذا السياق، يقدم الأستاذ عادل بوبكر، عميد كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس، مقاربة تتجاوز المفهوم التقليدي للاستثمار والتمويل، لتطرح التمويل التجديدي باعتباره أداة لإصلاح الاختلالات البيئية، وإعادة إحياء الثروات الطبيعية، وتحويل الاستعادة البيئية إلى فرص اقتصادية منتجة.

العدالة المناخية.. هل تدفع الدول الإفريقية ثمن تلوث لم تصنعه؟

يفتح عادل بوبكر ملف العدالة المناخية من زاوية اقتصادية وسياسية بالغة الأهمية، منتقداً اختلال توزيع المسؤوليات والأعباء البيئية بين الدول، وخاصة في ظل توجه بعض الأسواق الغربية إلى فرض متطلبات مرتبطة بالبصمة الكربونية على المنتجات المستوردة.

وفي موقف يلخص حجم المفارقة التي تواجهها البلدان الإفريقية، يقول بوبكر:

«الغرب يلوث محيطاتنا ثم يطالبنا بدفع ضريبة هذا التلوث».

ولا يتعلق الأمر، وفق هذه المقاربة، برفض التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون أو الاعتراض على المعايير البيئية الجديدة، وإنما بالتساؤل عن مدى عدالة تحميل الاقتصادات النامية تكاليف إضافية للامتثال لهذه المعايير، دون مراعاة المسؤوليات التاريخية للدول الصناعية عن التلوث واستنزاف الموارد الطبيعية.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي تجد نفسها مطالبة بالموازنة بين المحافظة على قدرتها التنافسية وضمان نفاذ صادراتها إلى الأسواق الدولية، من جهة، والتكيف مع التحولات المتسارعة في المعايير البيئية والتجارية، من جهة أخرى.

ومن هنا، يبرز مطلب العدالة المناخية باعتباره جزءاً من العدالة الاقتصادية، بما يقتضي توفير التمويلات والتكنولوجيات الضرورية للبلدان النامية، وتمكينها من المشاركة في التحول البيئي دون تحويله إلى عبء إضافي يحد من قدرتها على النمو والتنمية.

التمويل التجديدي.. الاستثمار في إصلاح ما أفسدته الأنشطة الاقتصادية

ينقل بوبكر النقاش من حدود معالجة التلوث إلى مفهوم أوسع يتمثل في استعادة النظم البيئية وإعادة بناء الموارد التي فقدت جزءاً من قدرتها الإنتاجية. فالمحافظة على البيئة، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تظل مجرد التزام تتحمله المؤسسات أو نفقات إضافية تتحملها الدولة، بل يمكن أن تتحول إلى مجال استثماري قادر على خلق الثروة وتحقيق مردودية اقتصادية واجتماعية على المدى الطويل.

وتشمل هذه المقاربة معالجة تلوث البحار، وإعادة تأهيل الغابات، وإصلاح الأراضي المتدهورة، واستعادة الموارد الطبيعية التي تمثل أساساً لعدد من الأنشطة الاقتصادية، من السياحة إلى الفلاحة والصناعات المرتبطة بالموارد البحرية.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أن استعادة التوازن البيئي تصبح جزءاً من عملية بناء الاقتصاد ذاته، لا مجرد نشاط موازٍ له. فلا يمكن، وفق هذا المنطق، الحديث عن تنمية مستدامة في ظل تدهور الموارد التي تستند إليها منظومات الإنتاج والتشغيل والأمن الغذائي.

وبذلك، يصبح الاستثمار البيئي استثماراً في المستقبل الاقتصادي، شرط أن تكون المشاريع واضحة الأهداف، وقابلة لقياس نتائجها، وقادرة على ضمان استمرارية التمويل وتحقيق أثر ملموس يتجاوز الإنجاز الظرفي.

الابتكار المالي.. من التمويل التقليدي إلى تعبئة الاستثمارات عبر التوكنات والبلوكشين

ومن أبرز النقاط التي يثيرها عميد كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس مسألة إيجاد آليات مالية مبتكرة تسمح بتحويل المشاريع البيئية من أفكار ومبادرات إلى استثمارات قابلة للتنفيذ.

فالمعضلة، بحسب هذه الرؤية، لا تكمن دائماً في غياب المشاريع أو الكفاءات، بل في صعوبة تعبئة التمويلات اللازمة وتوزيع المخاطر بين مختلف المتدخلين. وهو ما يستدعي تطوير صيغ تمويل تسمح بمشاركة المستثمرين والمؤسسات المالية والأطراف الأخرى في المشاريع ذات الأثر البيئي والاجتماعي.

وفي هذا الإطار، يطرح بوبكر إمكانية الاستفادة من آليات تقسيم المشاريع إلى وحدات استثمارية رقمية، أو ما يعرف بـ«التوكنات» (Tokens)، بما يتيح للمساهمين تمويل أجزاء محددة من المشاريع والاستفادة من عائداتها وفق شروط واضحة ومضبوطة مسبقاً.

كما يمكن لتقنيات البلوكشين أن تساهم في تحسين الشفافية وتتبع حركة الأموال ومراقبة تنفيذ المشاريع، وهو ما قد يعزز ثقة المستثمرين ويوسع قاعدة التمويل المتاحة للمبادرات البيئية.

غير أن هذه الإمكانات التكنولوجية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون إطار قانوني واضح، وضمانات لحماية المستثمرين، وآليات رقابة وتقييم تضمن حسن التصرف في الموارد وتحقيق النتائج المعلنة. فالابتكار المالي لا يكتسب قيمته بمجرد اعتماده على التكنولوجيا، وإنما بقدرته على توفير تمويل حقيقي لمشاريع ذات جدوى اقتصادية وأثر بيئي قابل للقياس.

الاقتصاد الدائري والاجتماعي والتضامني.. ثروات كامنة تنتظر التفعيل

ولا يحصر بوبكر مستقبل التمويل التجديدي في الأدوات الرقمية الحديثة، بل يربطه أيضاً بضرورة تفعيل آليات اقتصادية متاحة، من بينها الاقتصاد الدائري والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

فالاقتصاد الدائري يوفر إمكانات مهمة لتقليص النفايات وإعادة استخدام المواد وتحسين استغلال الموارد، في حين يسمح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بإشراك المجتمعات المحلية في المشاريع المنتجة، وتوسيع دائرة الانتفاع بمنافع التنمية.

ويكتسب الجمع بين هذه المقاربات أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، حيث يمكن للمشاريع البيئية أن تتحول إلى مصادر لخلق مواطن الشغل وتحسين ظروف العيش، بالتوازي مع المحافظة على الموارد الطبيعية وإعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية.

لكن نجاح هذه الخيارات يظل رهيناً بتوفير مناخ استثماري مناسب، وبنية تحتية ملائمة، وأطر قانونية ومؤسساتية قادرة على تحويل التمويلات إلى مشاريع فعلية، مع ضرورة الحد من الفوارق التنموية بين المناطق الساحلية والداخلية.

الجامعة والمؤسسات الاقتصادية.. البحث العلمي شريك في صناعة الحلول

ويمتد تصور عادل بوبكر إلى مسألة العلاقة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي، حيث يعتبر أن التعاون بين المؤسسات المالية والجامعات يجب أن يتجاوز المشاركة في التظاهرات العلمية واللقاءات الأكاديمية إلى شراكات عملية تعالج الإشكاليات الحقيقية للمؤسسات.

وتقوم هذه المقاربة على تحديد المؤسسات للمشكلات التي تواجهها، ثم إسنادها إلى فرق بحث جامعية مختصة تتولى دراستها واقتراح حلول علمية وتطبيقية، مع توفير الضمانات اللازمة لحماية المعطيات المهنية والسرية التجارية.

ومن شأن هذا النموذج أن يمنح البحث الجامعي بعداً تطبيقياً أكبر، ويتيح للباحثين الشبان فرصاً للمشاركة في مشاريع حقيقية، كما يمكّن المؤسسات من الاستفادة من الخبرات الأكاديمية في معالجة تحدياتها الاقتصادية والمالية.

وهنا تتقاطع رؤية بوبكر مع الطرح الذي يدعو إلى جعل الجامعة فضاءً لإنتاج الحلول وليس مجرد مؤسسة للتكوين ونقل المعرفة، بما يعزز دورها في دفع الابتكار وتطوير القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

إن الرسالة الأساسية التي تحملها هذه المقاربة تتمثل في أن التمويل التجديدي ليس مجرد أداة مالية جديدة، بل هو تصور متكامل لإعادة بناء العلاقة بين الاقتصاد والبيئة، وبين الاستثمار والعدالة المناخية، وبين الجامعة والمؤسسات. فالمطلوب ليس فقط توفير الأموال، وإنما توجيهها نحو استعادة الثروات الطبيعية وتحقيق قيمة اقتصادية مستدامة تحفظ حقوق الأجيال القادمة.

6. الذكاء الاصطناعي ومستقبل المحاسبة: ثورة في الممارسة المهنية واختبار جديد لأخلاقيات البحث العلمي

إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل النسيج الاقتصادي والمؤسساتي، فإن تأثيره لا يقل عمقاً داخل المهن المالية والمحاسبية، حيث تتغير طبيعة المهام وأساليب معالجة المعلومات ومناهج البحث العلمي. وفي هذا السياق، يقدم الأستاذ أحمد الوسيعي، المختص في المحاسبة، قراءة للتحولات التي يشهدها القطاع، مركزاً على الفرص التي تتيحها الأدوات الذكية، والتحديات الأخلاقية والمهنية التي تفرضها.

المحاسبة أمام تحوّل جذري.. من تنفيذ المهام إلى تطوير القيمة المضافة

لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي على المحاسبة مقتصراً على تسريع إنجاز الأعمال أو إدخال أدوات رقمية جديدة، بل أصبح يمس طبيعة الممارسة المهنية ذاتها، والمهارات التي يحتاج إليها المحاسب لمواكبة التحولات المقبلة.

ويؤكد أحمد الوسيعي أن القطاع يشهد تغيرات عميقة في طرق العمل ومعالجة المعلومات، وهو ما يفرض على المهنيين والباحثين إعادة النظر في أساليبهم والاستفادة من الإمكانات التي توفرها التقنيات الحديثة.

لكن التحول الحقيقي لا يكمن في مجرد تبني التكنولوجيا، وإنما في حسن توظيفها بما يسمح بتحسين الأداء ورفع جودة العمل، دون التفريط في الدور الأساسي للإنسان في التحليل والتقييم واتخاذ القرار.

الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.. مساعد قوي لا بديل عن الباحث

في المجال الأكاديمي، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي حاضرة في مختلف مراحل إعداد البحوث، من استكشاف المعلومات وتنظيمها إلى تحليل المعطيات وتطوير الأفكار وصياغة النتائج.

ويرى الوسيعي أن هذه الإمكانات تمثل فرصة حقيقية لتطوير الإنتاج العلمي وتحسين مردودية الباحثين، شرط عدم التعامل معها باعتبارها بديلاً عن الجهد الفكري والمنهجي الذي يتطلبه البحث الأكاديمي.

فالاستعانة بالأدوات الذكية لتيسير بعض مراحل العمل تختلف جذرياً عن تفويض البحث بالكامل إليها. وكلما تحول الاستخدام إلى اعتماد شامل وغير نقدي، تزايد خطر تراجع التفكير المستقل وضعف القدرة على التحقق من المعلومات وبناء الاستنتاجات العلمية.

ومن هنا، تصبح المعادلة المطلوبة قائمة على الاستفادة من سرعة التكنولوجيا وقدراتها في معالجة المعلومات، مع المحافظة على أصالة التحليل البشري وعمق البحث ومصداقية نتائجه.

الاستخدام المسؤول.. بين الانفتاح التكنولوجي والنزاهة الأكاديمية

يضع أحمد الوسيعي مسألة الضوابط الأخلاقية والمهنية في قلب النقاش حول الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن سهولة الوصول إلى الأدوات الذكية لا تعني أن استخدامها يجب أن يكون مفتوحاً دون قواعد.

وتبرز هذه المسألة بصفة خاصة داخل المؤسسات الجامعية، حيث تقتضي المرحلة الجديدة تحديد المجالات التي يمكن للطلبة فيها الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وطبيعة المهام التي يمكن أن يؤدي فيها دوراً مساعداً، إلى جانب ضرورة التصريح بكيفية استخدام هذه الأدوات عند إعداد الأعمال العلمية.

وفي هذا الإطار، أشار الوسيعي إلى أن المعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج لا يعتمد المنع المطلق لهذه التقنيات، وإنما يتجه إلى تنظيم استخدامها من خلال ضوابط تدفع الطلبة إلى توضيح طبيعة الاستعانة بها.

ويعكس هذا التوجه تحولاً في فلسفة التعامل مع التكنولوجيا داخل الجامعة، من منطق المنع إلى منطق التأطير والتوجيه، بما يسمح بالاستفادة من التطور الرقمي دون المساس بالنزاهة العلمية والمسؤولية الأكاديمية.

سرية البيانات.. الوجه الآخر للثورة الرقمية

ومن بين التحديات التي يوليها الوسيعي أهمية خاصة مسألة حماية المعلومات وسريتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالوثائق المهنية والبحوث التي تتضمن بيانات حساسة.

فإدخال وثيقة أو معطيات مالية أو مهنية إلى منصة تعمل بالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتم بصورة آلية، دون التثبت من طبيعة البيانات وشروط معالجتها ومستوى الحماية الذي توفره الأداة المستعملة.

وتزداد أهمية هذه المسألة في مهنة المحاسبة، التي تقوم في جانب أساسي منها على التعامل مع معلومات مالية ومؤسساتية تتطلب مستويات عالية من السرية والمسؤولية.

ومن ثم، فإن الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التثبت من صحة النتائج التي ينتجها، بل يشمل أيضاً حماية البيانات التي يتم إدخالها إليه، وضمان عدم تعريض المعلومات المهنية والبحثية لمخاطر غير محسوبة.

وهنا تظهر أهمية إدراج قواعد واضحة لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات والجامعات، بما يجعل التطور التكنولوجي متوافقاً مع متطلبات الثقة والمصداقية والمسؤولية المهنية.

من استكشاف الدراسات إلى تحليل النتائج.. كيف تتطور البحوث المحاسبية؟

وفي تناوله لآفاق تطوير البحوث العلمية في مجال المحاسبة، يبرز الوسيعي تعدد الوظائف التي يمكن أن تؤديها الأدوات الذكية، من تنظيم المعلومات واستكشاف الدراسات السابقة إلى تحديد العلاقات بين البحوث وتحليل المعطيات وصياغة النتائج بصورة أكثر وضوحاً.

وتتيح هذه الإمكانات للباحثين توفير جزء من الوقت والجهد الذي كان يُخصص للمهام التحضيرية والتنظيمية، بما يسمح لهم بالتركيز بصورة أكبر على بناء الفرضيات ومناقشة النتائج وتطوير المساهمات العلمية ذات القيمة المضافة.

لكن هذه الفوائد تظل مرتبطة بامتلاك الباحث أدوات منهجية ونقدية تمكّنه من تقييم المخرجات والتحقق من مصادرها ودقتها، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والاستنتاجات التي تحتاج إلى مراجعة.

فالذكاء الاصطناعي قد يسهّل الوصول إلى المعرفة ومعالجتها، لكنه لا يستطيع إعفاء الباحث من مسؤولية تحديد إشكاليته العلمية واختيار منهجه وتفسير نتائجه وتحمل مسؤولية ما ينشره.

الباحثون الشبان.. فرصة لتطوير القدرات أم خطر الاتكالية الرقمية؟

يكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة بالنسبة إلى الباحثين الشبان، الذين أصبحوا أمام جيل جديد من الأدوات القادرة على مساعدتهم في مختلف مراحل العمل العلمي.

ويرى الوسيعي أن الاستخدام الأخلاقي والواعي لهذه التقنيات يمكن أن يدفع البحث العلمي إلى الأمام، ويساعد الأجيال الجديدة على تحسين جودة إنتاجها وتطوير قدراتها، شريطة ألا يتحول هذا الدعم إلى اعتماد كلي يفقد الباحث استقلاليته الفكرية.

وتكمن الفرصة الحقيقية في توجيه الجهد البشري نحو الجوانب الأكثر عمقاً في البحث، مثل التفكير النقدي وبناء الفرضيات وتحليل النتائج ومناقشة التفسيرات المختلفة، بدلاً من استهلاك الوقت في مهام يمكن للتكنولوجيا أن تساعد على إنجازها.

لكن ذلك يفرض تطوير التكوين الجامعي بما يجمع بين الكفاءات الرقمية والمناهج العلمية التقليدية، ويكرس القدرة على التحقق والنقد واحترام أخلاقيات المهنة.

وتكشف رؤية أحمد الوسيعي أن مستقبل المحاسبة والبحث العلمي لن تحدده قوة الأدوات التكنولوجية وحدها، بل قدرة الإنسان على استخدامها بكفاءة ومسؤولية. فالتحدي ليس في مواكبة التكنولوجيا لمجرد أنها أصبحت متاحة، وإنما في تحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية، مع الحفاظ على سرية المعلومات والنزاهة الأكاديمية والدور المركزي للعقل البشري.

خاتمة: رؤية متكاملة لمستقبل الاقتصاد التونسي

أظهرت النقاشات العميقة التي شهدها مؤتمر TICEFA 2026 أن رهانات الاقتصاد التونسي لا تكمن في جانب واحد دون آخر، بل تتطلب منظومة شاملة ومترابطة:
               ┌───────────────────────────────────────────┐
               │    رؤية تونس الاقتصادية المستقبليّة      │
               └─────────────────────┬─────────────────────┘
                                     │
         ┌───────────────────────────┼───────────────────────────┐
         ▼                           ▼                           ▼
 ┌──────────────┐            ┌──────────────┐            ┌──────────────┐
 │ بيئة تشريعية │            │ جامعة مبتكرة │            │ حوكمة مالية  │
 │  ومالية مرنة │            │   وأخلاقية   │            │ عميقة ومستدامة│
 └──────────────┘            └──────────────┘            └──────────────┘
  1. تحرير الطاقات الاقتصادية: عبر مراجعة تشريعات الصرف وتسهيل نفاذ المؤسسات الصغرى لأدوات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحبيسة.
  2. تأصيل المعرفة العلمية: بتوظيف البيانات القياسية في فهم السلوك الاجتماعي للأسرة وتوجيه السياسات العامة.
  3. صيانة الأمانة وجودة التكوين: بربط التطور الرقمي بقواعد الأخلاقيات والارتقاء بأساليب التقييم الجامعي.
  4. الانفتاح المعرفي والتكامل الهيكلي: بجعل المالية علماً متقاطعاً ينفتح على العلوم الدقيقة، ويصوغ شراكة حقيقية مع المؤسسات لخدمة التنمية المستدامة الشاملة.
  5. ترسيخ العدالة المناخية والتمويل التجديدي: من خلال تطوير آليات تمويل مبتكرة، وتوجيه الاستثمارات نحو استعادة الثروات الطبيعية، وتفعيل الاقتصاد الدائري والاجتماعي والتضامني، وضمان توزيع أكثر إنصافاً للأعباء البيئية وفرص التنمية.
  6. تحديث المهن المالية والمحاسبية: عبر توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسة المهنية والبحث العلمي، مع إرساء ضوابط أخلاقية واضحة تحمي سرية البيانات والنزاهة الأكاديمية، وتحافظ على الدور المحوري للإنسان في التحليل واتخاذ القرار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى