بعد غياب 28 عاما.. تونس تستعيد المؤتمر الدولي لتاريخ الطب في دورته الخمسين

تستعيد تونس مكانتها على خريطة البحث العلمي في تاريخ الطب، باحتضانها فعاليات المؤتمر الدولي الخمسين لتاريخ الطب، من 4 إلى 6 نوفمبر 2026، تحت شعار «الطب وشعوب البحر الأبيض المتوسط»، بمشاركة باحثين وأطباء ومؤرخين قدموا من نحو 30 دولة، في عودة لهذا الموعد العلمي الدولي إلى تونس بعد غياب دام 28 عاما.
ولا تقتصر أهمية هذه الدورة على بعدها الأكاديمي، بل تمثل مناسبة لإعادة تسليط الضوء على الرصيد الطبي والحضاري التونسي، وما قدمته المنطقة من إسهامات في نشأة العلوم الطبية وتطورها وانتقال معارفها بين الحضارات، وصولا إلى الممارسات الصحية المعاصرة.
تونس تعود إلى واجهة تاريخ الطب الدولي
وأوضحت الدكتورة شادلية ليلى بن يوسف، رئيسة الجمعية التونسية لتاريخ الطب والصيدلة، أن الجمعية الدولية لتاريخ الطب اختارت تونس لاحتضان الدورة الخمسين من مؤتمرها، الذي يتواصل على امتداد ثلاثة أيام، مشيرة إلى أن موضوع «الطب وشعوب البحر الأبيض المتوسط» يهدف إلى استكشاف المسارات التاريخية للمعرفة الطبية لدى شعوب المنطقة.
ويستند اختيار هذا الموضوع إلى المكانة التي احتلها حوض البحر الأبيض المتوسط عبر التاريخ بوصفه فضاء للتفاعل الحضاري وتبادل المعارف والخبرات، حيث لم تكن الممارسات الطبية حكرا على حضارة واحدة، بل تشكلت عبر قرون من التراكم العلمي والتواصل بين الشعوب.
وينتظم المؤتمر بمبادرة من الجمعية الدولية لتاريخ الطب، وبالتعاون مع الجمعية التونسية لتاريخ الطب والصيدلة وكلية الطب بتونس وجامعة تونس المنار، بهدف دراسة تطور الممارسات الطبية والصيدلانية وإبراز إسهامات الحضارات التي أسهمت في إثراء العلوم الصحية.
من الطب القرطاجي إلى المدرسة الطبية بالقيروان
ويتضمن البرنامج العلمي نحو 20 محورا، تتناول تاريخ الطب في الحضارات القديمة، والطب القرطاجي والروماني في شمال إفريقيا، فضلا عن إسهامات المدرسة الطبية بالقيروان والطب العربي الإسلامي، مع اهتمام خاص بأعمال الطبيب التونسي ابن الجزار القيرواني، صاحب المؤلف الشهير «زاد المسافر».
ويكتسي هذا المحور أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي اضطلعت به القيروان في تاريخ العلوم الطبية والصيدلانية، باعتبارها أحد المراكز العلمية التي أسهمت في إنتاج المعرفة وتداولها، ولم يقتصر تأثيرها على المجال المحلي، بل امتد إلى مناطق أخرى من حوض المتوسط.
كما يبحث المؤتمر في دور المدرسة الطبية بالقيروان في انتقال المعارف الطبية إلى أوروبا، ولا سيما عبر مدرسة ساليرنو، إلى جانب حركة ترجمة المؤلفات الطبية والصيدلانية وما أحدثته من تأثير في تطور العلوم الصحية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
الأوبئة والأدوية وأخلاقيات المهنة على طاولة النقاش
ولا يتوقف البرنامج عند المراحل التاريخية القديمة، بل يمتد إلى دراسة التحولات التي شهدتها الممارسات الطبية عبر العصور، من خلال محاور تتناول تاريخ الأوبئة والأمراض الكبرى، وتطور أنظمة الحجر الصحي البحري، فضلا عن تاريخ العقاقير والأدوية المستخلصة من النباتات والمواد الطبيعية.
كما تشمل النقاشات تاريخ المؤسسات الاستشفائية ونشأة البيمارستانات، وتطور أخلاقيات المهنة الطبية والتشريعات المنظمة للعلاقة بين الطبيب والمريض، بما يربط بين التجربة الطبية التاريخية والإشكاليات التي لا تزال تطرحها الممارسة الصحية الحديثة.
ومن المنتظر أن يشهد المؤتمر محاضرات رئيسية يقدمها خبراء دوليون، وجلسات علمية لعرض البحوث والأوراق الأكاديمية، إلى جانب ورشات عمل متخصصة ومعارض للمخطوطات والكتب النادرة ذات الصلة بتاريخ الطب. كما يتضمن البرنامج زيارات إلى عدد من المعالم التاريخية بالمدينة العتيقة بتونس، في خطوة تجمع بين النقاش العلمي والتعرف على الذاكرة الحضارية للعاصمة.
عودة بعد 28 عاما وفرصة لإبراز التراث الطبي التونسي
وتكتسب استضافة تونس لهذه الدورة أهمية إضافية بالنظر إلى أن آخر مؤتمر دولي لتاريخ الطب احتضنته البلاد يعود إلى سنة 1998، عندما استضافت الدورة السادسة والثلاثين، قبل أن تعود اليوم لاحتضان الدورة الخمسين بعد انقطاع دام 28 عاما.
وتمنح هذه العودة فرصة لإعادة تقديم التراث الطبي التونسي أمام الباحثين والمؤسسات العلمية الدولية، والتعريف بإسهامات أعلامه ومدارسه في تطور العلوم الصحية، فضلا عن تعزيز التعاون الأكاديمي وتبادل الخبرات بين المختصين في تاريخ الطب والصيدلة.
وبين ذاكرة القيروان الطبية وإسهامات ابن الجزار ومسارات انتقال المعرفة إلى أوروبا، يفتح المؤتمر نافذة على جانب مهم من التاريخ العلمي التونسي، ويؤكد أن استحضار هذا الإرث لا ينبغي أن يظل مجرد احتفاء بالماضي، بل يمكن أن يتحول إلى رافد للبحث العلمي والتعريف بالمساهمة التونسية في تاريخ الحضارة الطبية المتوسطية.




