رغم تراجع حوادث المرور والجرحى في تونس.. ارتفاع عدد القتلى بـ128 ضحية خلال 2026

وجاءت هذه المؤشرات خلال لقاء صحفي نظمه المرصد اليوم الجمعة 6 نوفمبر 2026 بمقره بالعاصمة، خُصص لاستعراض مدى تقدم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية للفترة 2025-2034، بحضور المدير العام للمرصد، العميد صابر الخفيفي، وعدد من الإطارات وممثلي الهياكل الشريكة.
تراجع الحوادث والجرحى مقابل ارتفاع عدد القتلى
وفق المعطيات التي قدمها رئيس مكتب المعطيات بالمرصد، أيمن بن براهيم، بلغ عدد حوادث المرور المسجلة بين غرة جانفي و4 نوفمبر 2026 نحو 4206 حوادث، مقابل 4638 حادثاً خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بتراجع قدره 9.31%.
كما انخفض عدد الجرحى من 6132 إلى 5446 جريحاً، بنسبة تراجع بلغت 11.19%، غير أن هذا التحسن لم ينعكس على حصيلة الوفيات، التي سجلت منحى تصاعدياً، إذ ارتفع عدد القتلى من 1027 إلى 1155 ضحية، بزيادة قدرها 128 حالة وفاة.
وتكشف هذه الأرقام أن انخفاض عدد الحوادث لا يعني بالضرورة تراجع خطورتها، خصوصاً أن ارتفاع عدد القتلى يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الحوادث المسجلة، ومدى احترام قواعد السلامة، وفاعلية التدخلات الوقائية والرقابية، فضلاً عن جودة وسائل الحماية المستعملة من قبل مستعملي الطريق.
الدراجات النارية.. أكثر من 43% من قتلى حوادث المرور
وتتصدر الدراجات النارية قائمة التحديات التي تواجه منظومة السلامة المرورية في تونس، وفق ما كشفته إحصائيات المرصد، إذ يمثل مستعملوها 43.3% من إجمالي قتلى حوادث المرور، وهي نسبة تعكس حجم المخاطر التي يتعرض لها سائقو هذه المركبات.
ومن بين أبرز العوامل التي تزيد من خطورة الإصابات، ضعف الالتزام باستعمال الخوذة الواقية، حيث بلغت نسبة سائقي الدراجات النارية الذين لا يستعملونها على المستوى الوطني 87.2%. وسجلت ولاية المهدية أعلى نسب عدم ارتداء الخوذة، تليها ولاية سليانة، مع الإشارة إلى أن الفوارق بين الولايات في هذا المؤشر تبقى محدودة.
ولا تتعلق الإشكاليات بالسلوك الفردي وحده، إذ أظهرت عمليات التثبت الفني التي أجراها المرصد على عدد من أصناف الدراجات النارية المتداولة في السوق وجود نماذج لا تستجيب لمعايير السلامة المطلوبة. كما تبين أن بعض مكونات الحماية مصنوعة من مواد لا تتلاءم مع السرعات التي صُممت هذه الدراجات لبلوغها، وهو ما قد يضاعف خطورة الإصابات عند وقوع الحوادث.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة ضرورة تشديد الرقابة على مراحل تصنيع الدراجات النارية وتوريدها وتسويقها، إلى جانب تكثيف حملات التوعية والرقابة بشأن استعمال الخوذات المطابقة للمواصفات واحترام قواعد السير.
استراتيجية وطنية بخمسة محاور وأهداف تمتد إلى 2034
وفي تقديمه للاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية، أكد المدير العام للمرصد، العميد صابر الخفيفي، أن الحد من حوادث المرور لا يمكن أن يتحقق من خلال التوعية أو الردع وحدهما، بل يتطلب مقاربة تشاركية تجمع مختلف المتدخلين ضمن رؤية موحدة، تحدد المسؤوليات وآليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.
وتقوم الاستراتيجية على خمسة محاور أساسية تشمل تحسين البنية التحتية للطرقات، والارتقاء بسلامة مستعملي الطريق، وتطوير النقل الحضري، وتعزيز سلامة العربات، إلى جانب تحسين الاستجابة بعد الحوادث من خلال تطوير منظومة الإنقاذ والإسعاف والعناية بالمصابين، وتعزيز التكوين في الإسعافات الأولية.
وتتضمن أهدافها خفض عدد الوفيات بنسبة 10% بحلول سنة 2027 مقارنة بسنة 2024، ثم بنسبة 25% في أفق سنة 2030، وصولاً إلى تقليصها بنسبة 50% مع نهاية سنة 2034.
وشدد الخفيفي على أن تقييم نجاح هذه الاستراتيجية لن يكون مرتبطاً بعدد الأنشطة والمشاريع المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على إنقاذ الأرواح والحد من الوفيات والإصابات الخطيرة، باعتبار أن النتائج الميدانية هي المقياس الحقيقي لنجاعة السياسات المعتمدة.
معالجة النقاط السوداء وتوظيف التكنولوجيا في مراقبة المخالفات
من جهته، استعرض رئيس مكتب التنسيق والاتصال، شمس الدين عدواني، جملة من الإجراءات التي تم تنفيذها أو إطلاقها في إطار الاستراتيجية، من بينها معالجة عدد من النقاط السوداء التي تشهد تكرار الحوادث، وإعداد دليل للسلامة الطرقية، إلى جانب إطلاق مشاريع تعتمد التقنيات الحديثة في مراقبة المخالفات المرورية.
كما شملت التدخلات تجربة أجهزة لقياس نسبة الكحول، والعمل على إحداث اختصاصات جامعية في مجال السلامة المرورية، فضلاً عن تطوير منصة رقمية لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية وتقييم مدى تقدم مختلف المشاريع والإجراءات.
وأولت الاستراتيجية اهتماماً خاصاً بالفئات الأكثر هشاشة في الفضاءات العامة، ولا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة والمكفوفين، من خلال العمل على تحسين تهيئة الأرصفة والممرات والتجهيزات العمومية، بما يضمن حق الجميع في التنقل الآمن ويحد من المخاطر التي قد تواجههم في الطريق.
سنة 2027.. أول اختبار لمدى نجاعة الاستراتيجية
وتشكل سنة 2027 محطة أساسية لقياس الأثر الفعلي للتدخلات التي أُطلقت في إطار الاستراتيجية الوطنية، خاصة أن الهدف الأول يتمثل في خفض الوفيات بنسبة 10% مقارنة بسنة 2024.
غير أن الأرقام المسجلة خلال سنة 2026، ولا سيما ارتفاع عدد القتلى رغم تراجع الحوادث والجرحى، تؤكد أن التحدي لا يزال كبيراً، وأن تحسين السلامة المرورية يتطلب معالجة متزامنة لعوامل متعددة، من سلوك مستعملي الطريق إلى سلامة المركبات وجودة البنية التحتية ونجاعة الرقابة وسرعة التدخل عند وقوع الحوادث.
ويبقى ملف الدراجات النارية من أبرز الأولويات المطروحة، في ظل مساهمتها المرتفعة في حصيلة الوفيات وضعف استعمال الخوذات الواقية. فنجاح الاستراتيجية لن يُقاس بما تتضمنه من برامج ومشاريع على الورق، بل بقدرتها على تحويل هذه الإجراءات إلى نتائج ملموسة، تقلص عدد الضحايا وتجعل الطرقات التونسية أكثر أماناً.


