اقتصاد

العربي بن بوهالي وتحذير “المال السحري”: حين يصطدم تمويل العجز بحدود الاقتصاد الحقيقي

يطرح الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي أطروحة صادمة في عمقها السياسي والاقتصادي، تقوم على فكرة محورية مفادها أن ما يُروَّج له داخل بعض الأوساط البرلمانية في تونس بشأن إمكانية حصول الدولة على تمويل مباشر أو “قرض بلا فوائد” من البنك المركزي ليس سوى وهم اقتصادي قصير النظر، قد يبدو جذابًا في لحظته السياسية لكنه يحمل في داخله بذور اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد الكلي.

في جوهر هذا الطرح، لا يتعلق الأمر بخلاف تقني حول أدوات التمويل فحسب، بل بصراع بين منطقين: منطق يرى في البنك المركزي خزينة قابلة للتعبئة السياسية عند الحاجة، ومنطق آخر يعتبره مؤسسة نقدية يجب أن تبقى محكومة بهدف أساسي هو استقرار الأسعار وحماية العملة. وبين هذين المنطقين، يحذر بن بوهالي من أن المسافة بين “حل سريع” و”أزمة طويلة” قد تكون أقصر مما يتصور صانع القرار.

التضخم كضريبة خفية: حين يصبح التمويل المباشر خطراً اجتماعياً

يرتكز التحليل النقدي الذي يقدمه بن بوهالي على إجماع واسع في الفكر الاقتصادي الحديث، مفاده أن زيادة الكتلة النقدية دون مقابل إنتاجي حقيقي تؤدي في النهاية إلى ارتفاع معدلات التضخم. والتضخم هنا لا يُقرأ كرقم إحصائي مجرد، بل كآلية لإعادة توزيع الثروة داخل المجتمع بشكل غير معلن.

فعندما ترتفع الأسعار بشكل متسارع، تتآكل القدرة الشرائية للطبقات ذات الدخل الثابت، بينما يستفيد أصحاب الأصول المالية والعقارية من موجة ارتفاع الأسعار. وبهذا المعنى، يتحول التضخم إلى “ضريبة غير مباشرة” تمس الفئات الأضعف أولاً، وهو ما يصفه بن بوهالي بوضوح باعتباره مسارًا يقود إلى اقتصاد منقسم: طبقة تستفيد من السيولة وطبقة تدفع ثمنها.

ولا يتوقف الأمر عند الجانب الاجتماعي، بل يمتد إلى تشوهات في بنية الاقتصاد نفسه، حيث تُعاد توجيه الموارد من الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل نحو الاستهلاك السريع، ما يضعف النمو الحقيقي ويخلق وهماً بالنشاط الاقتصادي.

العجز المزدوج: المشكلة التي يتم تجاهلها

يرى بن بوهالي أن النقاش الدائر حول قانون البنك المركزي التونسي يُخفي المشكلة الحقيقية، وهي ما يسميه “العجز المزدوج المزمن”، أي عجز الموازنة العامة من جهة، وعجز الميزان التجاري من جهة أخرى.

في هذا السياق، تصبح الإشكالية أعمق من مجرد طريقة تمويل الحكومة، لأن الدولة التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها الأساسية، من طاقة ومواد أولية، وتواجه في الوقت نفسه ضعفاً في الادخار الوطني، تجد نفسها مضطرة بشكل دائم للجوء إلى الاقتراض الخارجي أو الداخلي. وهنا تصبح أي سياسة نقدية توسعية مجرد معالجة سطحية لأزمة بنيوية أعمق.

ويذهب التحليل إلى أن معالجة العجز قبل التفكير في تعديل الأطر القانونية للبنك المركزي ليست خياراً سياسياً فحسب، بل شرطاً ضرورياً لتجنب إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة.

اقتصاد ذو سرعتين: بين البورصة والاقتصاد الحقيقي

من أكثر النقاط إثارة في طرح بن بوهالي هو حديثه عن ما يسميه “الاقتصاد ذو السرعتين”. ففي الوقت الذي قد تشهد فيه الأسواق المالية نمواً سريعاً، تبقى القطاعات الإنتاجية الحقيقية في حالة ركود نسبي.

هذا التناقض يخلق اقتصاداً يبدو في ظاهره نشطاً، لكنه في عمقه غير متوازن. فارتفاع مؤشرات البورصة لا يعني بالضرورة تحسن مستويات التشغيل أو الإنتاج، بل قد يعكس فقط وفرة سيولة تبحث عن عوائد مالية سريعة.

وفي هذا السياق، يصبح الاقتصاد المالي منفصلاً تدريجياً عن الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يؤدي إلى فجوة خطيرة بين النمو الورقي والنمو الفعلي، بين الأرباح المحاسبية والقدرة الإنتاجية الفعلية للدولة.

البنك المركزي: الاستقلالية ليست تفصيلاً تقنياً

ينتقل بن بوهالي في تحليله إلى نقطة شديدة الحساسية تتعلق باستقلالية البنك المركزي، حيث يقارن بين تجارب دول كبرى مثل ألمانيا وسويسرا، التي تمنع دساتيرها بشكل صارم تمويل الحكومات مباشرة من البنك المركزي.

الفكرة الأساسية هنا ليست تقنية، بل فلسفية: هل يجب أن تكون السياسة النقدية خاضعة للضغط السياسي المباشر، أم محمية بقواعد مؤسساتية تضمن استقرار العملة على المدى الطويل؟

ويؤكد التحليل أن تحويل البنك المركزي إلى ذراع تمويل حكومي قد يبدو مغرياً في الأجل القصير، لكنه يؤدي في المدى المتوسط إلى تآكل الثقة في العملة الوطنية، وهو عنصر أساسي في أي اقتصاد مستقر.

الاقتصاد العالمي اليوم: وفرة نقدية بلا حدود

في بعده الأوسع، يربط بن بوهالي الحالة التونسية بسياق عالمي يتميز بارتفاع غير مسبوق في مستويات الدين، حيث أصبحت البنوك المركزية الكبرى تضخ سيولة ضخمة في الأسواق للحفاظ على النمو ومنع الانكماش.

لكن هذا النموذج، رغم نجاحه الظاهري في تفادي أزمات فورية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول الاستدامة: هل يمكن للاقتصاد أن يستمر في النمو عبر التوسع النقدي دون توسع موازٍ في الإنتاج الحقيقي؟

الإجابة التي يقدمها التحليل تميل إلى التشكيك، إذ يرى أن الفجوة بين المال والإنتاج تزداد اتساعاً، ما يجعل النظام الاقتصادي العالمي أكثر هشاشة على المدى الطويل.

بين الإغراء السياسي والواقع الاقتصادي

في الخلاصة التي يقدمها العربي بن بوهالي، تبدو الرسالة واضحة: الحلول السهلة في الاقتصاد غالباً ما تكون الأكثر كلفة على المدى البعيد. فتمويل العجز عبر التوسع النقدي قد يوفر متنفساً مؤقتاً، لكنه لا يعالج جذور المشكلة، بل قد يعمّقها.

المعركة الحقيقية، وفق هذا الطرح، ليست بين الحكومة والبنك المركزي، بل بين رؤية قصيرة المدى تبحث عن السيولة بأي ثمن، ورؤية طويلة المدى تعتبر الاستقرار النقدي شرطاً لأي تنمية حقيقية.

وبين هاتين الرؤيتين، يبقى الاقتصاد التونسي أمام اختبار صعب: هل يختار طريق الحلول السريعة، أم طريق الإصلاح البطيء لكنه أكثر استدامة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى