وطنية

“براكاج” وهمي ينتهي بالسجن: كيف سقط موظف حاول الاستيلاء على المال العام بخطة محكمة؟

في قضية جمعت بين التحيل وسوء التصرف في المال العام، أسدلت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس الستار على ملف موظف محاسب بإحدى الوزارات، بعد أن قضت بسجنه لمدة ست سنوات، مع منعه من ممارسة الوظائف العمومية وتخطئته بمبلغ 44 ألف دينار، إثر تورطه في الاستيلاء على أموال عمومية ومحاولة التغطية على فعلته عبر سيناريو “براكاج” وهمي.

القضية، التي بدأت كرواية عن عملية سلب في الشارع، انتهت باعتراف كامل كشف تفاصيل خطة أراد صاحبها أن تبدو كجريمة ضد مجهول، قبل أن تتحول إلى قضية فساد واستيلاء على المال العام.

{حين تُختلق الجريمة لإخفاء جريمة أكبر، تصبح التفاصيل وحدها كفيلة بإسقاط الرواية كاملة}

من مهمة إدارية إلى خطة للاستيلاء

بحسب المعطيات المتوفرة، كان المتهم يشغل خطة محاسب داخل إحدى الوزارات، وتسلّم مبلغا ماليا يقارب 44 ألف دينار لإيداعه بالحساب الخاص بالوزارة.

غير أن الموظف قرر، وفق الأبحاث، تحويل وجهة الأموال لفائدته الشخصية، قبل أن ينسج سيناريو متكاملا للإفلات من الشبهات، يقوم على الادعاء بتعرضه لعملية “براكاج” من قبل شخصين على متن دراجة نارية.

وروى المتهم في البداية أن المهاجمين اعترضا سبيله واستوليا على الحقيبة المالية تحت التهديد، في محاولة لإظهار نفسه كضحية لا كمتهم.

التحريات تكشف التناقضات

لكن الرواية لم تصمد طويلا أمام الأبحاث الميدانية والفنية، إذ كشفت التحريات وجود تناقضات واضحة بين أقوال الموظف والمعطيات المتوفرة على أرض الواقع.

ومع تضييق الخناق عليه ومجابهته بالأدلة والقرائن، انهارت رواية “البراكاج”، ليعترف المتهم بأنه اختلق كامل الحادثة بهدف الاستيلاء على المبلغ، مبررا فعلته بمروره بضائقة مالية.

{أحيانا لا تسقط الخطط بسبب تعقيدها… بل بسبب ثغرة صغيرة تكشف الحقيقة كاملة}

القضاء يحسم: السجن والمنع من الوظيفة العمومية

بناء على الاعترافات ونتائج الأبحاث، أدانت المحكمة الموظف من أجل الاستيلاء على أموال وضعت تحت يده بمقتضى الوظيفة، وأصدرت في حقه حكما بالسجن لمدة ست سنوات، مع عقوبة تكميلية تتمثل في الحرمان من ممارسة الوظائف العمومية.

هذا الحكم يعكس تشددا قضائيا متزايدا في القضايا المتعلقة بالمال العام واستغلال الوظيفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاولات التحيل أو إخفاء الجرائم عبر ادعاءات مضللة.

وفي هذا السياق، تواصل المحكمة الابتدائية بتونس المحكمة الابتدائية بتونس النظر في عدد من الملفات المرتبطة بجرائم الفساد وسوء التصرف الإداري، وسط اهتمام متزايد من الرأي العام بمسألة حماية المال العام.

بين الضائقة المالية والجريمة: أين تبدأ المسؤولية؟

ورغم تبرير المتهم فعلته بأزمة مالية، فإن القضية تعيد طرح سؤال أعمق حول حدود المسؤولية الفردية داخل الوظيفة العمومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال الدولة والثقة المرتبطة بالمهام الإدارية الحساسة.

فالوظيفة العمومية لا تقوم فقط على المهام التقنية، بل أيضا على عنصر الثقة، وهو ما يجعل مثل هذه القضايا تتجاوز بعدها المالي لتضرب صورة المرفق العمومي نفسه.

{المال العام لا يُقاس فقط بقيمته المالية… بل بحجم الثقة التي يحملها}

“البراكاج” الذي لم يُقنع أحدا

في النهاية، تحولت قصة السلب المزعوم من محاولة للهروب من المحاسبة إلى دليل إضافي ضد صاحبها، بعدما كشفت التحقيقات هشاشة الرواية وسقوطها أمام الوقائع.

ويبقى هذا الملف مثالا جديدا على أن الجرائم التي تُبنى على التمويه قد تنجح مؤقتا في خلق الشك، لكنها غالبا ما تنهار أمام التفاصيل الدقيقة التي تكشف الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى