الإصلاح الزراعي في تونس… معركة المصير بين عبقرية التشريع وقلق الفلاح

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا يكون التقدّم مجرّد خيار سياسي عابر، بل يتحوّل إلى ضرورة وجودية تفرض نفسها بقوة الواقع. وتونس اليوم تقف أمام واحدة من تلك اللحظات الحاسمة؛ لحظة تتطلب شجاعة في القرار، وجرأة في الرؤية، وإيمانًا عميقًا بأن نهضة الأوطان تبدأ من الأرض. فكما استطاعت أمم كبرى أن تشق طريقها نحو الازدهار عبر إصلاحات جذرية مست قطاعها الزراعي، بات من الضروري أن تضع تونس ملف الإصلاح الزراعي في قلب أولوياتها الوطنية، لا باعتباره ملفًا تقنيًا محدودًا، بل باعتباره مشروعًا سياديًا يعيد رسم العلاقة بين الإنسان والأرض والإنتاج.
لقد أصبح واضحًا أن أي محاولة لمعالجة أزمات القطاع الزراعي، بمعزل عن إصلاح حقيقي للبنية العقارية والفلاحية، لن تكون سوى حلول مؤقتة عاجزة عن ملامسة جوهر الأزمة. فمعاناة صغار الفلاحين والمربين تتفاقم عامًا بعد عام، بين ضعف التمويل، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتهميش المناطق الريفية، وغياب الرؤية الاستراتيجية القادرة على تحويل الزراعة إلى محرّك فعلي للتنمية. ومن هنا يبرز الإصلاح الزراعي كخطوة أولى لا غنى عنها، بل كأساس تُبنى عليه كل السياسات الزراعية والاقتصادية اللاحقة.
ما الإصلاح الزراعي؟ حين تصبح الأرض عنوانًا للعدالة والكرامة
الإصلاح الزراعي ليس مجرد تعديل إداري يطال ملكية الأراضي أو طرق استغلالها، بل هو تحوّل عميق في فلسفة توزيع الثروة والإنتاج داخل المجتمع. إنه مشروع يهدف إلى إعادة التوازن إلى العالم الريفي، عبر تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، ورفع الإنتاجية الزراعية، وتحسين الظروف المعيشية للفلاحين الذين ظلوا لعقود طويلة الحلقة الأضعف في معادلة التنمية.
ويقوم هذا الإصلاح أساسًا على إعادة تنظيم ملكية الأراضي الزراعية والحد من احتكارها من قبل أقلية محدودة من كبار المالكين، مقابل تمكين صغار الفلاحين من الوصول إلى الأرض التي يزرعونها ويعيشون منها. فالأرض، في جوهر الإصلاح الزراعي، ليست سلعة جامدة فحسب، بل هي مصدر للسيادة والكرامة والاستقرار الاجتماعي.
وقد تتخذ هذه الإصلاحات أشكالًا متعددة، من بينها إعادة تجميع الأراضي المشتتة لتحسين مردوديتها، أو إعادة توزيع المساحات غير المستغلة، أو مراجعة الامتيازات العقارية القديمة التي كرّست التفاوت، أو حتى تشجيع فئات جديدة من المستثمرين الزراعيين الشباب على دخول دائرة الإنتاج. غير أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل بمجرد توزيع الأراضي، بل يتطلب منظومة متكاملة من الدعم والمرافقة، تشمل توفير التمويلات الزراعية، والتكوين التقني، وتطوير البنية التحتية في الأرياف، وتحديث وسائل الإنتاج بما يواكب التحولات الاقتصادية والمناخية.
ولعلّ الأهمية الكبرى للإصلاح الزراعي لا تكمن فقط في أبعاده الاقتصادية، بل أيضًا في أثره الاجتماعي والسياسي العميق. ففي تجارب عديدة عبر العالم، ارتبطت الإصلاحات الزراعية بتحرير الإنسان من أشكال الاستغلال القديمة، وبتأسيس مجتمعات أكثر توازنًا وعدالة. ولهذا ظل الإصلاح الزراعي، عبر التاريخ، أحد أبرز أدوات بناء الدول الحديثة وتحقيق التنمية المستدامة.
لماذا أصبح الإصلاح الزراعي اليوم ضرورة لا تحتمل التأجيل؟
تونس اليوم تواجه تحديًا مزدوجًا: بطالة متفاقمة تضرب الشباب، وأراضٍ شاسعة غير مستغلة تابعة للدولة. وبين هذين الواقعين، تبرز فرصة تاريخية يمكن أن تغيّر ملامح الاقتصاد الوطني إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية.
ففي ظل نسب بطالة مرتفعة تلامس في بعض الفئات 30 إلى 40 بالمائة، يبدو من غير المنطقي أن تبقى آلاف الهكتارات الزراعية خارج دائرة الإنتاج، بينما يقف آلاف الشباب — من حاملي الشهادات وغيرهم — على هامش الحياة الاقتصادية. ومن هنا يصبح الإصلاح الزراعي أكثر من مجرد سياسة اقتصادية؛ إنه مشروع وطني لإعادة إدماج الشباب في دورة الإنتاج، ومنحهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم من خلال استغلال أراضٍ تخصص حصريًا للنشاط الزراعي ضمن آليات واضحة وعادلة ومدروسة.
كما أن هذا الإصلاح ينبغي أن يشمل مئات الآلاف من الفلاحين والمربين الذين يعانون يوميًا من صعوبات هائلة في النفاذ إلى التمويل البنكي، رغم أن القطاع الزراعي يشغّل أكثر من 15% من السكان ويساهم بفاعلية في دفع عجلة النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة. والمفارقة المؤلمة أن هذا القطاع الحيوي ما يزال يعاني من ضعف كبير في التأطير والدعم، في وقت يفترض فيه أن يكون أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
إن الإدماج الحقيقي للفلاحين لا يتحقق بالشعارات، بل عبر إجراءات ملموسة وجريئة، تشمل سياسات نقدية ومالية وجبائية تضع الفلاح في قلب التنمية. ومن بين هذه الإجراءات، توفير قروض موسمية بفوائد ميسّرة، وإلزام المؤسسات البنكية بتخصيص جزء من تمويلاتها للقطاع الزراعي مقابل الاستفادة من إعادة التمويل من البنك المركزي، فضلًا عن إقرار حوافز تشجع على الاستثمار والإنتاج في المناطق الريفية.
السيادة الغذائية… لا تُمنح بل تُنتزع
لقد أثبتت الأزمات العالمية المتلاحقة أن الدول التي لا تملك قرارها الغذائي تبقى رهينة للتقلبات الخارجية ولابتزاز الأسواق الدولية. ومن هنا، فإن الحديث عن السيادة الغذائية لم يعد ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا، بل أصبح قضية أمن قومي بامتياز.
فالسيادة الغذائية لا تُهدى للدول، ولا تُشترى بالوعود، وإنما تُنتزع عبر قرارات شجاعة وإصلاحات تشريعية وتنظيمية حاسمة تعيد الاعتبار للزراعة الوطنية وللفلاح الذي ظل لسنوات طويلة يقاوم في صمت. إن بناء تونس قوية ومستقلة اقتصاديًا يبدأ من الحقول، من دعم المنتج المحلي، ومن تحويل الأرض إلى مصدر للثروة والسيادة معًا.
وفي النهاية، يبقى الإصلاح الزراعي أكثر من مجرد مشروع اقتصادي؛ إنه رهان حضاري يعكس قدرة الدولة على الإنصاف، وقدرة المجتمع على صناعة مستقبله بيديه. وبين عبقرية المشرّع وقلق الفلاح، تقف تونس اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، فإما أن تتحول الأرض إلى بوابة للنهضة، وإما أن يبقى الريف أسير التهميش والانتظار.
—
بقلم: حبيبة نصراوي بن مراد
دكتورة في العلوم الاقتصادية، باحثة وأستاذة جامعية



