29 مليار دينار خارج البنوك.. هل تقود هيمنة “الكاش” تونس نحو إجبارية الدفع الإلكتروني؟

أعاد ارتفاع حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة في تونس إلى مستويات غير مسبوقة، والمقدرة بأكثر من 29 مليار دينار، الجدل من جديد حول طبيعة الاقتصاد التونسي واتساع دائرة المعاملات خارج المنظومة البنكية.
هذا الرقم، وفق بيانات البنك المركزي التونسي، لا يعكس مجرد تطور في حجم السيولة، بل يترجم أيضًا اتساع نطاق الاقتصاد غير المنظم، حيث تتحرك كتل مالية كبيرة بعيدًا عن الرقابة الرسمية، ما يطرح أسئلة عميقة حول فعالية السياسات النقدية والجبائية.
“اقتصاد الشبح”.. تشخيص أزمة تتراكم منذ سنوات
الخبير الاقتصادي ماهر بالحاج اعتبر أن الظاهرة لم تعد ظرفية، بل تحولت إلى مسار تصاعدي بدأ يتعمق منذ سنوات، خاصة بين 2015 و2016، حين بدأت ملامح التوسع في التعامل النقدي خارج البنوك تتضح بشكل أكبر.
ويرى أن هذا الواقع ساهم في تغذية السوق الموازية وتعزيز ما يُعرف بـ“الاقتصاد الشبح”، أي الاقتصاد الذي يتحرك خارج الدورة الرسمية للدولة، بما يضعف قدرة المؤسسات على التحكم في التدفقات المالية وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج.
هل يكون الدفع الإلكتروني الحل؟
في قلب هذا النقاش يبرز مقترح أكثر جرأة: فرض إجبارية الدفع الإلكتروني. وهو طرح يعتبره الخبير الاقتصادي خطوة ضرورية لكسر هيمنة “الكاش” وإعادة دمج السيولة داخل النظام البنكي.
ويقوم هذا التوجه على فكرة إلزام الدفع الإلكتروني في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والاتصالات، بما يفرض تدريجيًا تحولًا في سلوك الأفراد والمؤسسات نحو التعاملات الرقمية بدل النقدية.
لكن هذا الخيار، رغم بساطته النظرية، يفتح نقاشًا أوسع حول مدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، ومستوى الثقة في المنظومة البنكية، وقدرة الفئات الاجتماعية المختلفة على التأقلم مع هذا التحول.
معركة بين الإصلاح والواقع الاجتماعي
يرى مراقبون أن مواجهة ظاهرة “الكاش” لا يمكن أن تعتمد على الإلزام وحده، بل تحتاج إلى مزيج معقد من التحفيز والتسهيلات والرقمنة التدريجية، إلى جانب سياسات صارمة للحد من الاقتصاد الموازي.
فالتحول نحو الدفع الإلكتروني ليس مجرد قرار إداري، بل تغيير عميق في نمط التعاملات اليومية للمواطنين، وهو ما يتطلب وقتًا وبنية تحتية وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.
بين ضغط الأرقام وحتمية الإصلاح
مع بلوغ الكتلة النقدية المتداولة حدودًا قياسية، يبدو أن النقاش حول مستقبل التعاملات المالية في تونس لم يعد مؤجلًا. فإما التوجه تدريجيًا نحو رقمنة شاملة تقلص من “الكاش”، أو استمرار اقتصاد مزدوج تتحرك فيه أموال ضخمة خارج الإطار الرسمي.
وبين الخيارين، يبقى التحدي الحقيقي في القدرة على تحويل هذا النقاش الاقتصادي إلى سياسات قابلة للتنفيذ، دون إرباك الدورة الاقتصادية أو تعميق الفجوات الاجتماعية.



