وطنية

إيمان بن عمارة: حين يتحوّل الغش إلى “تعاطف”.. قراءة في أزمة قيم تمسّ المدرسة والمعرفة

الغش ليس خطأً عابراً… بل خرقٌ لفكرة العلم نفسها

في زمنٍ تتسارع فيه المواقف المتسامحة مع كل أشكال التجاوز، يطفو على السطح نقاشٌ لافت حول ظاهرة الغش في الامتحانات، مصحوباً بموجات تعاطف متزايدة مع مرتكبيه. لكن هذا التعاطف، كما تشير الأستاذة إيمان بن عمارة، يطرح إشكالاً أعمق من مجرد مخالفة تربوية، لأنه يتجاوز حدود الامتحان ليصيب جوهر الفكرة العلمية ذاتها.

فالغش لا يمكن اختزاله في كونه “خرقاً لقواعد اختبار”، بل هو، في جوهره، مساس مباشر بمبدأ الأمانة العلمية، واعتداء على النزاهة المعرفية التي تشكّل أساس أي مسار تعليمي جاد.

عندما يُفرغ النجاح من معناه الحقيقي

تؤكد هذه القراءة النقدية أن التساهل مع الغش، أو تبريره تحت أي ذريعة، لا يظل موقفاً محايداً، بل يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر مع سلوك يُقوّض مفهوم الاستحقاق.

فحين يفقد الامتحان معاييره، وحين يُختزل النجاح في نتيجة رقمية منفصلة عن الجهد الحقيقي، يصبح المسار التعليمي مهدداً بفقدان معناه. عندها لا يعود التفوق ثمرة عمل، بل نتيجة تحايل، ولا يعود العلم عملية بناء معرفي، بل سباقاً نحو “وهم الأرقام”.

المدرسة بين المعرفة والآلة: خطر التحول الصامت

تحذّر هذه الرؤية من تحول خطير في وظيفة التلميذ أو الطالب، حين يُختزل دوره في كونه مجرد منفّذ أو “آلة حاسبة” تبحث عن حلول جاهزة، بدل أن يكون فاعلاً في إنتاج المعرفة.

إن هذا التحول لا يضر الفرد وحده، بل يضرب في العمق فكرة التعليم نفسها، التي تقوم على التفكير، والاجتهاد، وتراكم الفهم، لا على الالتفاف على القواعد أو القفز فوق مراحل التعلم.

المسار العلمي ليس للجميع… بل لمن يلتزم بشروطه

في قلب هذا الطرح، تظهر فكرة حاسمة: المسار العلمي ليس مجرد خيار مفتوح دون شروط، بل هو التزام أخلاقي ومعرفي في آنٍ واحد.

فمن لا يمتلك القدرة أو الإرادة على خوض هذا الطريق بالجد والاجتهاد، فاختيار مسار آخر لا يُعد فشلاً، بل احتراماً لذاته ولمجال العلم نفسه. أما الإصرار على النجاح عبر الغش، فهو في النهاية إساءة مضاعفة: للمعرفة أولاً، ولصاحبها ثانياً.

معركة القيم قبل أن تكون معركة امتحانات

قضية الغش ليست مجرد ملف تربوي موسمي يرتبط بالامتحانات، بل هي سؤال عميق حول القيم التي نريد ترسيخها داخل المدرسة والمجتمع.

فإما أن يُبنى النجاح على الجهد والنزاهة، وإما أن نفقد تدريجياً المعنى الحقيقي للعلم، ونحوّل الشهادة إلى رقم، والتعلّم إلى وهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى