حرائق الحقول خارج التعويضات: الفلاح التونسي بين التأمين الإجباري وغياب الحماية الفعلية

تفتح الحرائق التي تستهدف المحاصيل الزراعية في تونس، وخاصة صابة الحبوب خلال مواسم الحصاد، من جديد ملف الحماية المالية للفلاحين، في ظل تأكيدات رسمية بأن هذه الأضرار لا تندرج ضمن تعويضات صندوق الجوائح الطبيعية، ما يضع المنتجين أمام مسؤولية مباشرة في مواجهة خسائر قد تكون فادحة.
وتعيد هذه الإشكالية النقاش حول مدى جاهزية المنظومة التأمينية الفلاحية، وقدرة الفلاح على تحمل مخاطر الإنتاج في بيئة مناخية واقتصادية متقلبة.
صندوق الجوائح لا يغطي الحرائق
أكد رئيس النقابة التونسية للفلاحين الميداني الضاوي أن حرائق المحاصيل الزراعية، بما فيها صابة الحبوب، لا يشملها صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية.
وأوضح أن تدخل هذا الصندوق يقتصر على الكوارث المناخية الكبرى مثل الجفاف والفيضانات والعواصف والبرد والثلوج، وفق ما ينص عليه الإطار القانوني المنظم له، ما يجعل الحرائق خارج نطاقه بشكل واضح.
التأمين التجاري… الخيار الوحيد المتاح
في المقابل، يشير الضاوي إلى أن تغطية مخاطر الحرائق تبقى مرتبطة حصريا بعقود التأمين التجاري التي يجب أن يبرمها الفلاح مسبقا مع شركات التأمين.
هذا المعطى يضع الفلاح أمام معادلة صعبة، حيث يتحمل مسؤولية اختيار التأمين بشكل فردي، في وقت لا تزال فيه نسبة الوعي التأميني في القطاع الفلاحي محدودة، إضافة إلى كلفة هذه العقود التي قد تشكل عبئا إضافيا على المنتج.
إشكال التعويضات المتأخرة يزيد من التوتر
ولم يقتصر الملف على مسألة الحرائق فقط، إذ أشار رئيس النقابة إلى أن عددا من الفلاحين لم يتحصلوا على مستحقاتهم من صندوق الجوائح خلال السنتين الماضيتين، رغم الاقتطاعات التي تتم لفائدته بصفة آلية.
هذا الوضع يعمق حالة التذمر داخل القطاع، ويثير تساؤلات حول نجاعة آليات التعويض وسرعة صرف المستحقات عند وقوع الأضرار.
دعوات لإصلاح المنظومة الفلاحية
في ظل هذه الإشكالات، دعا الميداني الضاوي إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة في تقييم المحاصيل عند القبول، خاصة في ظل الظروف المناخية الاستثنائية التي شهدها الموسم الحالي.
وحذر من أن التشدد في إجراءات التقييم قد يؤدي إلى تقليص حجم التعويضات، بما ينعكس سلبا على قدرة الفلاحين على مواصلة النشاط والاستعداد للمواسم القادمة.
كما شدد على ضرورة انطلاق التحضير المبكر للموسم الزراعي المقبل، مع تأمين تزويد منتظم بالبذور والأسمدة، وتجاوز الإخلالات المتكررة في توفير بعض المواد الأساسية مثل الأمونيتر وDAP.
بين الخطر الطبيعي والمسؤولية الفردية
توضح هذه المعطيات أن الفلاح التونسي يجد نفسه اليوم في منطقة رمادية بين أخطار طبيعية متزايدة، ومنظومة حماية تعتمد على التفريق بين الجوائح القابلة للتعويض والتعويضات المرتبطة بالتأمين الخاص.
وبين غياب تغطية الحرائق من صندوق الجوائح وضعف انتشار التأمين التجاري في الوسط الفلاحي، يبقى السؤال مطروحا حول مستقبل الحماية الفعلية للإنتاج الزراعي في تونس، في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتصاعدة.



