بين تسربات الماء وتآكل الزمن: “الصوناد” تدخل معركة إنقاذ الشبكات الوطنية
مشاريع بمليارات الدنانير لوقف نزيف المياه
تواجه تونس معركة صامتة لكنها ثقيلة الكلفة عنوانها الأكبر تسربات المياه التي تنخر الشبكات القديمة وتزيد من ضغط الطلب على خدمة أساسية تمسّ حياة المواطنين اليومية. وفي هذا السياق، أعلنت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه “الصوناد” عن إطلاق حزمة مشاريع كبرى بكلفة تناهز 1.2 مليار دينار، في محاولة لإعادة رسم خريطة توزيع المياه في البلاد على أسس أكثر نجاعة واستدامة.
تونس الكبرى في قلب الأولويات
يبرز مشروع تحسين كفاءة الشبكات في تونس الكبرى كأضخم هذه التدخلات، بكلفة تقدّر بـ500 مليون دينار، على أن تنطلق الأشغال خلال السنة المقبلة. وهو مشروع يعكس إدراكًا متأخرًا لكن ضروريًا لحجم الإشكال داخل العاصمة وضواحيها، حيث تتقاطع الكثافة السكانية مع شبكات متهالكة لم تعد قادرة على مواكبة الضغط المتزايد.
صفاقس والجنوب: شبكات تحت ضغط الجغرافيا والتوسع
لا يقتصر التدخل على العاصمة، إذ تشمل الخطة مشاريع موازية في صفاقس وتوزر وقبلي، إلى جانب تدخلات أوسع في ولايات تطاوين وقابس ومدنين وقفصة والقصرين والقيروان. هذا التوزيع الجغرافي يعكس اتساع رقعة الإشكال، حيث تتداخل هشاشة البنية التحتية مع التوسع العمراني السريع، ما يجعل التسربات جزءًا من مشهد يومي يصعب احتواؤه بالإجراءات التقليدية.
العدادات الذكية: رهان التكنولوجيا في مواجهة الهدر
في قلب هذه الاستراتيجية، تراهن “الصوناد” على التحول الرقمي عبر اعتماد العدادات الذكية، مع برمجة تركيب 140 ألف عداد بصفاقس و140 ألفًا بإقليم المرسى. هذا الخيار لا يهدف فقط إلى تحسين الفوترة، بل إلى رصد التسربات بدقة أعلى، خصوصًا تلك الخفية داخل المنازل والشبكات الداخلية، وهو ما يمثل تحولًا في طريقة إدارة الموارد المائية.
تحديات بنية قديمة وزحف عمراني متسارع
ورغم حجم الاستثمارات المعلنة، تبقى التحديات عميقة. فالشبكات المتقادمة لم تعد وحدها المشكلة، بل أيضًا الزحف العمراني الذي يضغط على مسارات القنوات ويصعّب عمليات الصيانة والتجديد. بين هذا وذاك، تبدو “الصوناد” أمام امتحان صعب: تحويل الاستثمارات إلى نتائج ملموسة توقف نزيف الماء قبل أن يتحول إلى أزمة أوسع في السنوات القادمة.

