خولة الخميري تتوّج بأفضل بحث علمي نسائي في تونس: الذكاء الاصطناعي في مواجهة أزمة المياه

توّجت الباحثة التونسية خولة الخميري بجائزة أفضل بحث علمي نسائي لسنة 2026، التي تمنحها وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، وذلك عن بحث علمي يتناول أحد أكثر الملفات إلحاحا في تونس اليوم، وهو أثر التغيرات المناخية والضغوط البشرية على موارد المياه الزرقاء في البلاد.
وجاء هذا التتويج تقديرا لبحث أنجزته الخميري على مستوى حوض وادي شيبة بمنطقة الوطن القبلي، واعتمد مقاربة علمية حديثة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والنمذجة الهيدرومناخية، في محاولة لفهم التحولات التي تعرفها الموارد المائية تحت ضغط المناخ والنشاط البشري، وخاصة الفلاحة والري.
من البحث الأكاديمي إلى أدوات لصنع القرار
وتكتسي أهمية البحث خصوصا من كونه لا يكتفي برصد مظاهر الضغط على الموارد المائية، بل يسعى إلى بناء قراءة علمية متكاملة للعلاقة بين المناخ والمياه والأنشطة البشرية والمجال الترابي. وهي مقاربة تفتح المجال أمام تطوير أدوات أكثر دقة لمساعدة أصحاب القرار على إدارة الموارد المائية في ظل تزايد المخاطر المناخية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في تونس التي تواجه ضغوطا متزايدة على مواردها المائية، حيث أصبحت ندرة المياه وتغير المناخ وارتفاع الطلب، خصوصا في القطاع الفلاحي، عوامل مترابطة تفرض تطوير سياسات تقوم على المعطيات العلمية والتوقعات الدقيقة بدل الاقتصار على التدخلات الظرفية.
ومن هنا، يمثل توظيف الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والنمذجة الهيدرومناخية في هذا البحث خطوة باتجاه ربط البحث العلمي بالحاجيات الفعلية للاقتصاد والمجتمع، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى أدوات يمكن أن تساهم في تحسين التخطيط المائي وتعزيز قدرة تونس على مواجهة الصدمات المناخية.
الباحثة التونسية في صدارة الابتكار العلمي
وخلال موكب تسليم الجائزة، الذي أشرفت عليه وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، صباح الثلاثاء 11 أوت 2026 بمقر الوزارة، تم التأكيد على الحضور المتنامي للمرأة التونسية في مختلف مستويات التعليم والبحث العلمي.
وأبرزت الوزيرة أن الطالبات يمثلن 66.8 بالمائة من إجمالي طلبة التعليم العالي العمومي، فيما تبلغ نسبة حضورهن 64.9 بالمائة في مرحلة الدكتوراه و72.5 بالمائة في ماجستير البحث، إلى جانب بلوغ نسبة المشاركة النسائية 59 بالمائة في هياكل البحوث والمختبرات الوطنية.
وتعكس هذه الأرقام، وفق ما تم تقديمه خلال الموكب، حضورا متقدما للمرأة التونسية في عدد من الاختصاصات العلمية، من العلوم الفيزيائية والصحة إلى الإعلامية والهندسة، بما يؤكد أن الاستثمار في الكفاءات النسائية أصبح أحد العناصر الأساسية في تطوير منظومة البحث والابتكار في تونس.
العلم في خدمة الأمن المائي والغذائي
ولا تنفصل أهمية بحث خولة الخميري عن التحولات التي يشهدها ملف المياه في تونس، إذ باتت العلاقة بين الأمن المائي والأمن الغذائي أكثر وضوحا، خصوصا في ظل الدور الكبير الذي تلعبه الموارد المائية في النشاط الفلاحي.
ففهم تأثير تغير المناخ والضغط البشري على المياه يمكن أن يساعد على تطوير نماذج أفضل لتوزيع الموارد، وتحسين كفاءة الري، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للضغط المائي، فضلا عن دعم التخطيط الاستباقي للسنوات التي قد تشهد تراجع الموارد أو ارتفاع الطلب.
وبذلك، لا يبدو البحث المتوّج مجرد إنجاز أكاديمي جديد، بل محاولة لبناء جسر بين الجامعة ومراكز البحث من جهة، والتحديات التنموية اليومية التي تواجهها تونس من جهة أخرى.
جائزة تعكس رهانا على المعرفة
وأكدت أسماء الجابري أن إحداث جائزة أفضل بحث علمي نسائي يندرج ضمن جهود تثمين الدور الريادي للنساء والفتيات التونسيات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والبحث والابتكار، مشددة على أهمية الاستثمار في المعرفة باعتبار البحث العلمي ركيزة أساسية للتنمية.
ويحمل تتويج خولة الخميري في هذا السياق رسالة تتجاوز البعد التكريمي، لتؤكد أن جزءا من حلول الأزمات التي تواجه تونس، وفي مقدمتها أزمة المياه والتغيرات المناخية، يمكن أن يأتي من داخل الجامعات ومخابر البحث، عندما يتم توجيه المعرفة العلمية نحو قضايا المجتمع والاقتصاد.
وفي وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالمياه والمناخ، يبرز هذا البحث كأحد النماذج التي تضع العلم والتكنولوجيا في مواجهة سؤال حاسم بالنسبة إلى تونس: كيف يمكن حماية موارد مائية محدودة وضمان استدامتها للأجيال القادمة؟



