وطنية

بينما تتواصل عمليات البحث عن مفقودي فاجعة بنقردان.. مركب جديد يغادر في رحلة حرقة

بينما لا تزال عمليات التمشيط متواصلة في عرض البحر بحثًا عن مفقودي فاجعة مركب بنقردان، وفي وقت لم تجف فيه بعد دموع العائلات ولم تهدأ صدمة المأساة، غادر مركب آخر في رحلة «حرقة» جديدة، في مشهد يعيد طرح السؤال الأصعب: ماذا يدفع شبابًا إلى الإبحار نحو المجهول، وهم يرون أمامهم يوميًا صور الموت والفقدان؟

النزيف مستمر، والبحر الذي ابتلع أحلامًا كثيرة لم يعد، بالنسبة إلى عدد من الشباب، أكثر رعبًا من واقع يضيّق عليهم الخناق ويغلق أمامهم أبواب الأمل. فالمسألة لم تعد مجرد رغبة في السفر أو البحث عن حياة أفضل، بل تحولت لدى البعض إلى أزمة أمل ووجود، وإلى قناعة مؤلمة بأن الخروج من البلاد، بأي ثمن، قد يكون أقل قسوة من البقاء في واقع يشعرون فيه بأن المستقبل يتلاشى أمام أعينهم.

المفارقة الأكثر إيلامًا أن مغادرة مركب جديد تأتي في الوقت الذي لا تزال فيه عائلات أخرى تنتظر خبرًا عن أبنائها المفقودين. وبين مركب يغادر ومركب يُبحث عن ركابه، تتكرر المأساة نفسها، وتتسع دائرة الخوف والفقدان، بينما يبدو أن رسائل الموت في البحر لم تعد قادرة وحدها على ردع من فقدوا الثقة في إمكانية بناء مستقبل داخل البلاد.

إن استمرار رحلات «الحرقة» في مثل هذه الظروف لا يمكن اختزاله في قرار فردي أو مغامرة عابرة، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالأمل والثقة في المستقبل، وبشباب يرى أن المخاطرة بحياته قد تكون، paradoxically، أقل كلفة من الاستسلام لواقع لا يرى فيه أفقًا واضحًا.

وفي كل مرة يغادر فيها مركب جديد، لا يغادر معه شبان فقط، بل تغادر أيضًا أحلام عائلات بأكملها، وتُفتح صفحة جديدة من مأساة الهجرة غير النظامية، بينما يبقى البحر شاهدًا صامتًا على سؤال لم تجد تونس له، إلى اليوم، إجابة حاسمة: كيف نستعيد ثقة شبابنا في أن المستقبل يمكن أن يكون هنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى