جرجيس في زمن العطش.. 1800 قارورة ماء تكشف أن الخير ما زال حيا

في وقت تضغط فيه أزمة الماء على أهالي جرجيس، وتتراكم المشاكل اليومية التي تثقل كاهل المتساكنين، جاءت لقطة بسيطة على طريق مدنين لتقول شيئا مختلفا تماما: القلوب مازالت على بعضها، والخير لم يغادر الناس.
في مشهد إنساني لافت، وضع صاحب متجر قرابة 1800 قارورة ماء أمام محله، وكتب عليها «ماء سبيل»، معلنا أن الماء متاح للجميع مجانا. مبادرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت في تفاصيلها كثيرا من معاني التضامن والتكافل، خصوصا في ظرف أصبح فيه الماء حاجة ملحّة وهاجسا يوميا بالنسبة إلى عدد كبير من الأهالي.
لكن أكثر ما يبعث على التأمل لم يكن عدد القوارير ولا قيمة المبادرة، وإنما ردة فعل الناس. فكل من كان يتوقف أمام المتجر لشراء قارورة، ثم يكتشف أنها مجانية، كان يعيدها ويقول ببساطة: «لا، خليها لغيري… غيري أحوج مني».
في زمن تشتد فيه الأزمات، كان من الممكن أن تدفع الحاجة الناس إلى أخذ ما يستطيعون، لكن المشهد في جرجيس كشف العكس تماما. مواطنون اختاروا أن يتركوا ما هو متاح لهم لغيرهم، لأنهم أدركوا أن هناك من قد يكون أكثر حاجة منهم إلى قطرة ماء.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع أحيانا أكبر الصور الإنسانية. فالأزمات تكشف حقيقة المجتمعات، وفي جرجيس، حيث يعيش الأهالي على وقع أزمة الماء ومشاكل الحياة اليومية، ظهر معدن الناس في أبهى صوره: كرم من صاحب المبادرة، ونبل من الذين رفضوا أن يأخذوا ما قد يحتاجه غيرهم أكثر.
قد تعجز الحلول الظرفية عن معالجة أزمة الماء، وقد تتأخر الحلول الكبرى، لكن مثل هذه المبادرات تؤكد أن شيئا أساسيا مازال موجودا: روح التضامن.
1800 قارورة ماء كانت أمام الناس، لكن أجمل ما في المشهد أن كثيرا منهم اختاروا أن يتركوا نصيبهم لغيرهم.
وفي جرجيس، وسط العطش والقلق، جاءت هذه الصورة لتقول إن الخير مازال حيا، وإن القلوب مازالت على بعضها، وإن معدن الناس الحقيقي يظهر وقت الشدة.




