الكهرباء في تونس أمام تحوّل كبير.. مشاريع بالمليارات لتقليص كلفة الطاقة وتعزيز الإنتاج

تستعد منظومة إنتاج الكهرباء في تونس لدخول مرحلة جديدة، عنوانها توسيع القدرات الإنتاجية وتنويع مصادر الطاقة، بالتوازي مع ارتفاع الطلب على الكهرباء والحاجة إلى تقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي. وبين مشاريع عمومية تقودها الشركة التونسية للكهرباء والغاز ومشاريع خاصة في الطاقة الشمسية والريحية، تتشكل تدريجيا خارطة جديدة لإنتاج الكهرباء في البلاد.
1163 ميغاواط من الطاقات المتجددة
وتشير المعطيات الرسمية لوزارة الصناعة والمناجم والطاقة إلى أن القدرة الكهربائية المركزة من الطاقات المتجددة بلغت إلى موفى جويلية 2026 نحو 1163 ميغاواط، في حين لم تتجاوز نسبة الاستقلالية الطاقية 34 بالمائة، وهو ما يعكس استمرار حجم التحديات المرتبطة بتأمين حاجيات البلاد من الطاقة.
وتظل الشركة التونسية للكهرباء والغاز العمود الفقري للمنظومة الوطنية، باعتبارها تضطلع بإنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، مع استمرار الحاجة إلى تعزيز قدرات الإنتاج القادرة على الاستجابة للطلب، خصوصا خلال فترات ذروة الاستهلاك.
برج العامري.. استثمار بـ600 مليون دينار
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع توسعة محطة برج العامري، الذي يتضمن إضافة توربين غازي جديد بطاقة إنتاجية تتراوح بين 250 و400 ميغاواط، باستثمارات تقدّر بنحو 600 مليون دينار.
ومن المنتظر أن يمثل المشروع دعما إضافيا لقدرات الإنتاج خلال فترات ارتفاع الاستهلاك، مع برمجة دخوله حيز الاستغلال في صيف 2027، وفق المعطيات الواردة بشأن المشروع.
القطاع الخاص يدخل بقوة إلى سوق الكهرباء
وفي المقابل، لم تعد الدولة وحدها اللاعب الأساسي في زيادة قدرات الإنتاج، إذ تتجه تونس بصورة متزايدة إلى إشراك القطاع الخاص، خصوصا في مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
وتشمل البرامج الحالية مشاريع شمسية وريحية يتم إنجازها في إطار نظام اللزمات أو نظام التراخيص، في توجه يهدف إلى رفع مساهمة المصادر المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني وتوفير قدرات إنتاج جديدة خلال السنوات المقبلة.
ومن أبرز المشاريع الخاصة التي بلغت مراحل متقدمة خمسة مشاريع لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية بطاقة جملية تناهز 598 ميغاواط، من بينها مشروع الخبنة بولاية سيدي بوزيد بطاقة 198 ميغاواط، إلى جانب مشاريع المزونة والسقدود والقصر ومنزل الحبيب، بطاقة 100 ميغاواط لكل مشروع.
من الطاقة الشمسية إلى تخزين الكهرباء
ولا يتوقف التحدي عند إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، إذ تطرح طبيعة هذه المصادر المتقطعة مسألة تخزين الطاقة واستعمالها عند الحاجة.
وفي هذا السياق، طرحت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة خلال سنة 2026 طلب عروض لإنجاز محطة فولطاضوئية مرفقة بنظام لتخزين الكهرباء بواسطة البطاريات بمنطقة بزما من ولاية قبلي، في خطوة تعكس توجه المنظومة نحو إدماج تقنيات التخزين إلى جانب تطوير قدرات الإنتاج المتجددة.
كما تتجه الاستراتيجية الوطنية إلى توسيع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح، مستفيدة من الإمكانات المتوفرة خصوصا في عدد من مناطق الجنوب والوسط والجهات ذات الموارد الشمسية والريحية المهمة.
1700 ميغاواط.. ورهان على خفض فاتورة الغاز
وتراهن تونس على أن تتحول هذه المشاريع إلى مصدر مهم لتقليص كلفة إنتاج الكهرباء والحد من استهلاك الغاز الطبيعي.
وتقدّر الحكومة أن مشاريع إنتاج 1700 ميغاواط من الطاقات المتجددة التي تم إسنادها في إطار نظام اللزمات يمكن أن توفر نحو 1000 جيغاواط ساعة سنويا، وأن تساهم في اقتصاد قرابة 250 ألف طن من الغاز الطبيعي سنويا، بقيمة تناهز 125 مليون دولار.
كما يُنتظر، وفق التقديرات الحكومية، أن تساهم هذه المشاريع في خفض مصاريف إنتاج الكهرباء بنحو 200 مليون دينار سنويا، وهو ما يجعل الاستثمار في الطاقات المتجددة مرتبطا ليس فقط بالتحول الطاقي، وإنما أيضا بتقليص كلفة الطاقة والضغط على العملة الصعبة.
التحدي الحقيقي.. تحويل المشاريع إلى كهرباء على الشبكة
لكن ارتفاع حجم القدرات المعلنة لا يعني بالضرورة أنها أصبحت متوفرة فعليا على الشبكة الوطنية، إذ تختلف وضعية المشاريع بين مشاريع لا تزال قيد الدراسة، وأخرى في مرحلة طلب العروض أو الإسناد، ومشاريع دخلت فعليا مرحلة الإنجاز.
ومن هنا، فإن التحدي بالنسبة إلى تونس لا يتعلق فقط بعدد الميغاواطات التي تتم برمجتها، وإنما بمدى القدرة على تحويل هذه المشاريع إلى محطات منتجة في الآجال المحددة، بالتوازي مع تطوير شبكة نقل الكهرباء وربط مواقع الإنتاج الجديدة بمراكز الاستهلاك.
معادلة جديدة لقطاع الكهرباء
وتفرض هذه التحولات معادلة جديدة على قطاع الكهرباء في تونس، تقوم على استمرار دور المحطات التقليدية في تأمين القدرة القابلة للتصرف والاستجابة للطلب، مقابل توسع دور المحطات الشمسية والريحية الخاصة، إلى جانب بروز التخزين كعنصر يمكن أن يصبح أكثر أهمية كلما ارتفعت مساهمة الطاقات المتجددة.
ويأتي ذلك في وقت يتواصل فيه نمو الطلب على الكهرباء بنسق سنوي يتراوح بين 4 و5 بالمائة، بما يجعل تطوير الإنتاج والنقل والتخزين مسألة مرتبطة مباشرة بأمن التزود بالطاقة.
وبذلك، لا يبدو الرهان في السنوات المقبلة مجرد إضافة محطات جديدة إلى الشبكة، بل بناء منظومة أكثر تنوعا وأقل كلفة، قادرة على مواكبة الطلب المتزايد وتقليص استهلاك الغاز وخفض الضغط على العملة الصعبة، مع ضمان أن تتحول الاستثمارات المعلنة إلى قدرات إنتاج فعلية يستفيد منها الاقتصاد والمستهلك التونسي.

