قانون المخدرات في تونس.. تشديد مرتقب على المروجين ومراجعة مقاربة التعامل مع المستهلك

تتجه لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب إلى مواصلة النظر في مراجعة التشريع المتعلق بالمخدرات، في مسار تشريعي يطرح إعادة النظر في طريقة التعامل مع مستهلكي المخدرات، بالتوازي مع التشديد على ملاحقة المروجين وشبكات الاتجار، وخاصة في محيط المؤسسات التربوية.
ويأتي هذا النقاش في إطار مراجعة القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة جرائم المخدرات، وهو ملف ما يزال معروضاً على لجنة التشريع العام ضمن مقترح قانون لتنقيح التشريع الحالي.
جلسات استماع لرسم مقاربة جديدة
وقال مقرر لجنة التشريع العام، ياسر قوراري، إن اللجنة عقدت خلال الفترة الماضية سلسلة من جلسات الاستماع شملت أطباء وأخصائيين في علم النفس والاجتماع وصيادلة وأمنيين وممثلين عن وزارة العدل وأكاديميين، وذلك بهدف الاستماع إلى مختلف المتدخلين قبل إعداد تصور شامل لمراجعة القانون.
وكانت اللجنة قد خصصت في ماي الماضي جلسات للاستماع إلى مختصين في طب الإدمان، كما استمعت إلى خبراء في القانون الجنائي في إطار دراسة مقترحات تنقيح القانون عدد 52، بما يعكس تعدد الجوانب الطبية والقانونية والاجتماعية التي يطرحها الملف.
أكثر من ثلاثة عقود على القانون الحالي
ويرى قوراري أن مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدور القانون الحالي يفرض تقييم نتائجه وإعادة النظر في المقاربة المعتمدة لمواجهة الظاهرة، معتبراً أن المقاربة الجزائية وحدها لا تكفي للتعامل مع الإدمان بكل أبعاده.
ويقوم التوجه الذي يتم بحثه على الجمع بين الردع الأمني والقانوني، من جهة، والوقاية والعلاج والتوعية، من جهة أخرى، مع إيلاء الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية دوراً أكبر في الوقاية والتدخل المبكر.
محيط المؤسسات التربوية تحت المجهر
ويتزامن النقاش حول مراجعة التشريع مع عودة المخاوف بشأن انتشار المخدرات في محيط المؤسسات التربوية واستهداف فئات عمرية أصغر.
وفي هذا السياق، يشدد قوراري على ضرورة مواصلة الحملات الأمنية لملاحقة المروجين وشبكات الاتجار، مع إيلاء محيط المدارس والمعاهد والإعداديات عناية خاصة، في ظل ما وصفه باتساع نطاق الظاهرة من الجامعات إلى المؤسسات الثانوية وحتى الإعدادية.
المستهلك.. بين العقوبة والحاجة إلى العلاج
ومن أبرز النقاط المطروحة في مسار المراجعة إعادة النظر في طريقة التعامل مع مستهلك المخدرات، والتمييز بصورة أوضح بينه وبين المروج أو المتاجر بالمواد المخدرة.
وبحسب قوراري، فإن التوجه المطروح يسير نحو التخفيف من التجريم بالنسبة إلى المستهلكين، مقابل تشديد التصدي للمروجين وشبكات الاتجار، على أساس أن بعض حالات الإدمان تحتاج إلى العلاج والإحاطة الصحية والنفسية أكثر من حاجتها إلى العقاب.
ولا يعني هذا التوجه، في هذه المرحلة، إقرار تغيير تشريعي نهائي، باعتبار أن مقترحات التنقيح لا تزال قيد الدراسة داخل المؤسسة التشريعية.
ضمانات للمدمن الراغب في العلاج
ويطرح النقاش أيضاً ضرورة توفير إطار قانوني أوضح يسمح للشخص الذي يعاني من الإدمان والراغب في العلاج بطلب المساعدة دون الخوف من تبعات جزائية أو مهنية قد تحول دون توجهه إلى المؤسسات المختصة.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة سرية المعطيات وحماية هوية طالب العلاج باعتبارها من العناصر التي يمكن أن تشجع على طلب المساعدة، خاصة أن الخوف من انكشاف هوية الشخص أو من التداعيات الاجتماعية والمهنية قد يمثل عائقاً أمام العلاج.
مراكز العلاج والحاجة إلى توسيع الإحاطة
كما يتجه النقاش إلى مسألة تطوير منظومة الوقاية والعلاج من الإدمان، سواء من خلال دعم مراكز العلاج أو توسيع نطاق خدمات الإحاطة الصحية والنفسية.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، باعتبار أن علاج الإدمان لا يقتصر على تدخل قصير المدى، بل قد يتطلب، بحسب الحالات، فترة طويلة من المتابعة الطبية والنفسية وإعادة التأهيل، وهو ما يجعل توفير مسار علاجي واضح ومتاح جزءاً أساسياً من أي مقاربة تشريعية جديدة.
تشريع يجمع بين الردع والوقاية والعلاج
وتشير المعطيات المطروحة داخل لجنة التشريع العام إلى أن مراجعة قانون المخدرات لا تتجه، في صورتها الحالية، إلى مجرد تغيير سلم العقوبات، وإنما إلى إعادة بناء المقاربة القانونية للظاهرة عبر الجمع بين الوقاية والتوعية والعلاج من جهة، وملاحقة المروجين وشبكات الاتجار من جهة أخرى.
ويبقى المسار التشريعي مفتوحاً أمام مزيد من النقاش والاستماع إلى مختلف المتدخلين، قبل بلورة الصيغة النهائية لمقترح التنقيح وعرضه على المراحل التشريعية اللاحقة. وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه العملية، يظل القانون عدد 52 لسنة 1992 الإطار القانوني المعمول به، بينما تتواصل دراسة مقترحات تنقيحه داخل مجلس نواب الشعب.



