اقتصاد

مريم بن تنفوس: من المرأة الرائدة إلى المرأة القيادية.. الثقة بالنفس وتحويل الأفكار إلى مشاريع لصناعة قيادة نسائية جديدة

في عالم اقتصادي يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد القيادة النسائية مرتبطة فقط بامتلاك مشروع أو الوصول إلى منصب إداري، بل أصبحت مفهوماً أوسع يتقاطع مع التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والتحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الحديث عن المرأة باعتبارها صاحبة فكرة أو مشروع، إلى النظر إليها باعتبارها قوة قيادية قادرة على التأثير وصناعة القرار والمساهمة في رسم مستقبل المؤسسات والمجتمعات.

وفي حديث إذاعي، تناولت الأستاذة الجامعية والكوتش ورئيسة CIFE Next Gen، مريم بن تنفوس، واقع المرأة في الاقتصاد الجديد، متوقفة عند الفارق بين ريادة الأعمال والقيادة النسائية، ومؤكدة أن التطورات الاقتصادية والتكنولوجية تفتح أمام النساء مجالات جديدة للتأثير والمبادرة وصناعة القيمة.

وترى بن تنفوس أن التحولات التي يعرفها الاقتصاد، خاصة مع صعود الرقمنة والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تفرض إعادة التفكير في الأدوار التقليدية للمرأة داخل عالم الأعمال، بحيث لا تبقى مشاركتها محصورة في تأسيس المشاريع، وإنما تمتد إلى مواقع التأثير والقيادة واتخاذ القرار.

ريادة الأعمال ليست وحدها عنوان القيادة

توضح مريم بن تنفوس أن هناك فرقاً جوهرياً بين المرأة الريادية والمرأة القيادية، رغم وجود تقاطع واضح بين المفهومين. فالمرأة الريادية، وفق هذا التصور، هي التي تبادر إلى تأسيس مشروع أو مؤسسة وتتحمل مسؤولية تطويرها وإدارتها، سواء بشكل فردي أو بالشراكة مع آخرين.

أما القيادة النسائية، فهي مفهوم أكثر شمولاً، لأنها لا ترتبط بالضرورة بامتلاك شركة أو إدارة مشروع. فالمرأة يمكن أن تكون قائدة داخل مؤسسة كبرى، أو شركة متعددة الجنسيات، أو مؤسسة صغيرة، كما يمكن أن تمارس القيادة في مجالات الطب والتعليم والمحاماة وغيرها من القطاعات.

وتكمن القيادة، في هذا المعنى، في امتلاك القدرة على التأثير، وصياغة الرؤية، ومشاركة الآخرين فيها، وتحويلها إلى عمل جماعي قادر على إحداث تغيير حقيقي. لذلك، فإن المرأة القيادية ليست بالضرورة امرأة أعمال بالمعنى التقليدي، لكنها امرأة تمتلك رؤية وتأثيراً وقدرة على تحريك الآخرين نحو هدف مشترك.

القيادة تبدأ من الداخل: الثقة بالنفس أول الطريق

بالنسبة إلى مريم بن تنفوس، فإن إحدى أهم الصفات التي تحتاجها المرأة حتى تصبح قائدة هي الثقة بالنفس. فامتلاك الفكرة أو الكفاءة أو المعرفة لا يكفي، إذا بقيت المرأة مترددة في تقديم نفسها أو الدفاع عن رؤيتها أو خوض التجربة.

وتضع بن تنفوس الثقة بالنفس في قلب عملية الانتقال من الفكرة إلى الفعل. فالمرأة التي تؤمن بقدراتها تكون أكثر استعداداً للخروج من دائرة التردد، وعرض مشروعها، والبحث عن المستثمرين والشركاء، وتحويل رؤيتها إلى واقع ملموس.

وهنا، تصبح القيادة قبل كل شيء موقفاً شخصياً، يبدأ من قدرة المرأة على الإيمان بقيمة ما تستطيع تقديمه. فالتأثير في الآخرين، سواء كانوا مستثمرين أو شركاء أو زملاء أو فرق عمل، يفترض أولاً أن تكون صاحبة المشروع أو الفكرة مقتنعة بها وقادرة على الدفاع عنها بوضوح.

من الفكرة إلى التنفيذ.. المعركة الحقيقية تبدأ بعد الابتكار

تلفت بن تنفوس إلى أن عدداً كبيراً من النساء يمتلكن أفكاراً مبتكرة، لكن العقبة الأساسية تكمن أحياناً في الانتقال من مرحلة التفكير إلى مرحلة التنفيذ. فالفكرة، مهما كانت متميزة، لا تتحول إلى مشروع ناجح إلا عندما تجد طريقها إلى التطبيق.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن التنفيذ يضع صاحبة الفكرة أمام اختبارات حقيقية، من بينها القدرة على الإقناع، وإدارة الموارد، والتعامل مع المخاطر، وبناء العلاقات، والبحث عن التمويل والشراكات المناسبة.

ومن هذا المنطلق، فإن تشجيع المرأة على المبادرة لا ينبغي أن يتوقف عند دفعها إلى امتلاك فكرة أو التفكير في بعث مشروع، بل يجب أن يمتد إلى مرافقتها في مختلف مراحل تحويل الفكرة إلى مؤسسة أو خدمة أو منتج قادر على الاستمرار والتطور.

المشروع الناجح يبدأ من مشكلة حقيقية

وفي حديثها عن ريادة الأعمال والابتكار، تشدد مريم بن تنفوس على ضرورة أن ينطلق المشروع من حاجة حقيقية، لا من فكرة مصطنعة تبحث لاحقاً عن مشكلة لتبرير وجودها.

فالأساس في أي مشروع، وفق هذا التصور، هو فهم الواقع واكتشاف المشكلات الموجودة في المجتمع أو السوق، ثم تقديم حل قابل للتطبيق ويمكن أن يوفر قيمة فعلية للمستفيدين. ولذلك، فإن الابتكار لا يعني بالضرورة اختراع شيء غير مسبوق، بل يمكن أن يكون في طريقة جديدة لمعالجة مشكلة قائمة أو تقديم خدمة بصورة أكثر نجاعة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية، حيث أصبحت المشاريع تواجه بيئة أكثر تنافسية، وأصبح المستثمرون أكثر اهتماماً بقدرة المشروع على إثبات جدواه وحل مشكلة حقيقية وامتلاك مقومات الاستمرارية.

إقناع المستثمر يبدأ بإقناع الذات

ترى بن تنفوس أن العلاقة مع المستثمر لا تبدأ لحظة عرض المشروع أمامه، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال قناعة صاحب المشروع نفسه بما يريد إنجازه. فالمرأة التي لا تمتلك الثقة الكافية في مشروعها ستجد صعوبة في نقل هذه الثقة إلى المستثمر أو الشريك المحتمل.

ومن هنا، فإن إعداد المشروع لا ينبغي أن يقتصر على امتلاك فكرة جذابة، وإنما يتطلب وضوحاً في الرؤية وفهماً دقيقاً للمشكلة التي يسعى المشروع إلى حلها، وقدرة على شرح القيمة التي سيضيفها إلى السوق والمجتمع.

وفي الاقتصاد الجديد، حيث تتسارع التحولات الرقمية والتكنولوجية، تصبح هذه القدرة على الإقناع جزءاً أساسياً من شخصية القائد، لأن النجاح لا يعتمد فقط على المعرفة التقنية، وإنما أيضاً على القدرة على بناء الثقة وتحويل الرؤية الفردية إلى مشروع جماعي قابل للنمو.

نحو امرأة لا تكتفي بالريادة بل تصنع التأثير

الرسالة التي تبرز من حديث مريم بن تنفوس تتجاوز فكرة تشجيع النساء على بعث المشاريع، لتصل إلى مفهوم أوسع يتمثل في بناء امرأة قادرة على القيادة والتأثير وصناعة القرار. فالمرحلة المقبلة، في ظل التحولات التي يعيشها الاقتصاد، تحتاج إلى نساء لا يكتفين بامتلاك الأفكار، وإنما يمتلكن الجرأة على تنفيذها، والقدرة على الدفاع عنها، والاستعداد لتحمل المسؤولية.

ومن المرأة الرائدة إلى المرأة القيادية، يبدو المسار مرتبطاً بثلاث حلقات أساسية: الثقة بالنفس، والقدرة على تحويل الفكرة إلى تنفيذ، ثم تقديم حل حقيقي لمشكلة حقيقية. وعندما تجتمع هذه العناصر مع المعرفة والمهارات والقدرة على التأثير، تصبح المرأة قادرة على الانتقال من مجرد المشاركة في الاقتصاد إلى المساهمة الفعلية في تشكيله.

وفي اقتصاد جديد تتقدم فيه التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي، لا تبدو القيادة النسائية مجرد عنوان مرتبط بالمساواة في الفرص، بل جزءاً من التحول الذي تشهده المؤسسات والمجتمعات، حيث يصبح امتلاك الرؤية والقدرة على التأثير والتنفيذ عوامل أساسية لصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى