الآبار العشوائية في تونس: من 205 آبار سنة 2010 إلى أكثر من 3200 سنة 2024

كميات المياه المستخرجة قفزت إلى 827 مليون متر مكعب، وسط تحذيرات من استنزاف الموائد المائية وتملّح المياه وتدهور الأنظمة الواحية.
توسّع لافت في حفر الآبار دون ترخيص
كشف المدير العام للموارد المائية بوزارة الفلاحة والموارد المائية، عيسى حليمي، عن ارتفاع عدد الآبار العشوائية في تونس من 205 آبار سنة 2010 إلى حوالي 3229 بئراً سنة 2024، بالتوازي مع زيادة كبيرة في كميات المياه المستخرجة منها.
وجاءت هذه المعطيات خلال يوم دراسي حول مقترح القانون المتعلق بتسوية وضعية الآبار الفلاحية غير المرخّص فيها، نظمته الأكاديمية البرلمانية بمجلس نواب الشعب، حيث استعرض المسؤول تطور الظاهرة وانعكاساتها على الموارد المائية والاقتصاد والمجتمع.
المياه المستخرجة تتجاوز 827 مليون متر مكعب
لم يقتصر التطور على عدد الآبار، بل شمل أيضاً حجم المياه المستخرجة، الذي ارتفع من 205 ملايين متر مكعب سنة 2010 إلى 827 مليون متر مكعب سنة 2024، وفق الأرقام التي قدمها حليمي.
ويعكس هذا التطور ضغطاً متزايداً على الموارد المائية الجوفية، في وقت تواجه فيه تونس محدودية الموارد المتجددة وتراجع التساقطات وتواتر سنوات الجفاف، إلى جانب ارتفاع الطلب على المياه لأغراض الري والشرب.
كلفة اقتصادية ونزاعات وصعوبات في المراقبة
وأوضح المدير العام للموارد المائية أن انتشار الآبار غير المرخّص فيها يترتب عنه عدد من الآثار السلبية، من بينها ارتفاع كلفة الضخ والطاقة، وتزايد النزاعات بين مستغلي الموارد المائية، فضلاً عن صعوبة مراقبة الكميات المستخرجة وضمان توزيعها بصورة عادلة.
وتتجاوز تداعيات الظاهرة الجانب الاقتصادي لتشمل أبعاداً اجتماعية مرتبطة بالتنافس على المياه، خاصة في المناطق التي يعتمد فيها النشاط الفلاحي بدرجة كبيرة على الموارد الجوفية.
تدهور الواحات وتملّح المياه الجوفية
على المستوى البيئي، حذّر حليمي من انعكاسات استغلال المياه الجوفية خارج الأطر القانونية، ومن بينها تدهور الأنظمة الواحية وتراجع التنوع البيولوجي وهبوط سطح الأرض في مناطق من الجنوب التونسي.
كما تشمل المخاطر تلوث المياه عبر رؤوس الآبار، وانخفاض منسوب الموائد المائية، وجفاف الآبار السطحية القديمة، فضلاً عن تداخل المياه المالحة بالمياه العذبة في المناطق الساحلية، بما يهدد جودة المياه واستدامة استخدامها في الفلاحة وغيرها من الأنشطة.
وأشار المسؤول إلى أن الوضع المائي في تونس يتسم أصلاً بتراجع منسوب الموائد المائية وتملّح المياه، خاصة في المناطق الساحلية والجنوبية والواحات، في ظل تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة ومحدودية الموارد المائية المتجددة.
الترخيص لا يمنح ملكية المياه
وذكّر ممثل وزارة الفلاحة بأن المياه الجوفية تُعدّ ملكاً عمومياً وتخضع لأحكام مجلة المياه، التي تشترط الحصول على ترخيص مسبق من الوزير المكلف بالمياه لحفر بئر أو استغلالها.
وأوضح أن الترخيص لا يمنح المستغل ملكية المياه، بل يضبط شروط استعمالها والكميات المسموح بها، مشيراً إلى إمكانية رفض مطالب الترخيص إذا كان الاستغلال المقترح من شأنه تهديد التوازن المائي.
كما استعرض جملة من المخالفات المرتبطة باستغلال المياه، من بينها تركيب مضخة دون ترخيص، واستعمال المياه في غير الأغراض المحددة، وتجاوز الكميات المرخص فيها. وتشمل المخالفات المتعلقة بإنجاز الآبار حفر بئر دون ترخيص أو تعميقها دون موافقة، فضلاً عن تغيير موقعها أو قطرها أو عمقها دون احترام الإجراءات القانونية.
لماذا تتزايد الآبار غير المرخّص فيها؟
وأرجع حليمي انتشار الظاهرة إلى مجموعة من العوامل الإدارية والفلاحية والمناخية. فمن الناحية الإدارية، يساهم طول إجراءات الحصول على التراخيص في دفع بعض المستغلين إلى الحفر خارج الأطر القانونية.
أما فلاحياً، فتتزايد حاجيات الري مع توسع الزراعات السقوية واعتماد البيوت المحمية، في ظل عدم توفر بدائل مائية كافية في بعض المناطق. وتزيد العوامل المناخية، وفي مقدمتها تواتر سنوات الجفاف وتراجع التساقطات، من حدة الضغط على الموارد الجوفية.
ويؤدي تضافر هذه العوامل، وفق المسؤول، إلى زيادة الطلب على المياه وتفاقم الضغط على الموائد المائية، ما يجعل تنظيم الاستغلال ومراقبة الكميات المستخرجة من أبرز التحديات المطروحة.
عدّادات ذكية لمراقبة استهلاك المياه
وفي سياق البحث عن حلول للحد من التجاوزات، أعلنت عائدة الجريدي، المكلّفة بتسيير الإدارة العامة للهندسة الريفية واستغلال المياه بوزارة الفلاحة والموارد المائية، التوجه نحو اعتماد العدّادات الذكية والمنظومة المعلوماتية لمتابعة استغلال المياه.
وأوضحت أن هذه المنظومة ستتيح توفير بيانات محيّنة حول كميات المياه المستغلة من كل بئر، بما يساعد على المراقبة الآنية والدورية، ورصد أي تجاوز للكميات المرخص فيها في الوقت المناسب.
ويأتي هذا التوجه في إطار تعزيز مراقبة الموارد المائية وتحسين التصرف فيها، في وقت تبرز فيه الأرقام الرسمية حجم التحدي الذي تطرحه الآبار العشوائية على الأمن المائي في تونس، والحاجة إلى التوفيق بين متطلبات النشاط الفلاحي وضرورة المحافظة على الموارد الجوفية للأجيال القادمة.




