من ذاكرة الأب إلى وفاء الابن.. صفوان بن عيسى يكرّم شهداء الجلاء بإحياء معلم تاريخي في بنزرت

«سيدي الحني».. معلم يستعيد مكانته في ذاكرة بنزرت
في ذكرى عيد الجلاء المجيد، تحمل عودة معلم «سيدي الحني» إلى الواجهة الثقافية والسياحية ببنزرت دلالة تتجاوز انتهاء الأشغال، لتؤكد أهمية الاستثمار في التراث باعتباره جزءا من الهوية الوطنية وذاكرة الأجيال. ويقع هذا المعلم الأثري في منطقة القصيبة، حيث اضطلع، على امتداد قرون، بدور بارز في حراسة مدخل المرسى القديم، شاهدا على تاريخ المدينة وصلتها الوثيقة بالبحر.
ومع انتهاء أشغال صيانته وإعادة تهيئة المتحف البحري، تتجدّد الآمال في أن يستعيد الموقع حضوره ضمن المسارات الثقافية والسياحية، وأن يتحوّل إلى فضاء يستقطب الزوار ويقرّبهم من تاريخ بنزرت البحري، بما يتيح للأجيال الجديدة اكتشاف جانب من ماضي المدينة، ويمنح الموروث الأثري فرصة جديدة للحياة خارج حدود الكتب والأرشيف.
ولا تقتصر أهمية المشروع على ترميم البناء وصيانة مكوّناته، بل تمتد إلى الرهان على تثمين المعالم التاريخية وجعلها فضاءات نابضة بالحركة والمعرفة، قادرة على الجمع بين متعة الزيارة والتعرّف على تاريخ المكان. وهو توجّه ينسجم مع الحاجة إلى تطوير السياحة الثقافية وتعزيز حضور المواقع الأثرية في الحياة اليومية للمدينة.
حلم بدأ في أواخر الثمانينات.. والابن يواصل ما بدأه الأب
وراء هذا الإنجاز حكاية إنسانية تختصر معنى الوفاء، إذ كشف صفوان بن عيسى أن فكرة المشروع تعود في أصلها إلى والده الراحل، الذي كان يؤمن بأن المعالم الأثرية تستحق أن تستقطب مزيدا من الزوار، وأن الحفاظ عليها لا يتحقق بالصيانة وحدها، بل أيضا بخلق أنشطة وفضاءات تجعل الناس أكثر ارتباطا بتراثهم وأكثر رغبة في اكتشافه.
ومنذ أواخر الثمانينات، شرع الأب، بإمكاناته الخاصة، في العمل على تحقيق هذا التصوّر، ساعيا إلى تثمين المعلم من خلال إنشاء فضاء بحري يجمع بين الترفيه والمعرفة، ويمنح الزائر فرصة للتفاعل مع تاريخ المكان. غير أن محدودية الموارد حالت دون استكمال المشروع آنذاك، فاختار أن يوثّق فكرته وتفاصيل حلمه في كرّاس بخط يده، تاركا وراءه أثرا مكتوبا يحفظ ملامح المشروع ويصون إمكانية تحقيقه مستقبلا.
ومع مرور السنوات، تحوّل ذلك الكرّاس إلى أكثر من مجرد وثيقة شخصية؛ فقد أصبح شاهدا على حلم لم تتوفّر لصاحبه الإمكانات الكافية لإتمامه، لكنه لم يفقد قيمته ولا قدرته على إلهام من جاء بعده. ومن هنا، اختار الابن أن يحمل الأمانة، وأن يواصل المسار من النقطة التي توقّف عندها والده، محوّلا الفكرة القديمة إلى مشروع يرى النور اليوم.
وبهذا المعنى، لا يمثّل انتهاء الأشغال مجرّد محطة في مسار تهيئة معلم أثري، بل هو أيضا استكمال لحكاية بدأت قبل عقود، وظلّت حيّة في الذاكرة إلى أن وجدت طريقها إلى الواقع. إنها حكاية تؤكد أن بعض المشاريع لا تنتهي بتعذّر إنجازها في زمن أصحابها، بل قد تنتظر جيلا آخر يؤمن بها ويمنحها فرصة جديدة للحياة.
صفوان بن عيسى.. الاستثمار الثقافي بوصفه مسؤولية تجاه الذاكرة
وفي تدوينة حملت الكثير من مشاعر الامتنان والوفاء، أوضح صفوان بن عيسى أنه لا ينظر إلى نفسه باعتباره صاحب الفكرة الأصلية، رغم ما قد يُنسب إليه من تصوّرات وتصاميم وتفاصيل مرتبطة بالمشروع، مؤكدا أن الفضل في إطلاق الحلم يعود إلى والده الراحل، وأن دوره تمثّل أساسا في المحافظة على الأمانة ومواصلة العمل حتى استكماله.
ويعكس هذا الموقف تصوّرا للاستثمار الثقافي يتجاوز الحسابات المادية المباشرة، ليضع صيانة التراث وتثمينه ضمن مسؤولية أوسع تجاه المجتمع والذاكرة الجماعية. فالمعالم الأثرية، وفق هذه الرؤية، ليست مجرد أبنية قديمة تحتاج إلى الترميم، وإنما فضاءات تحمل قصص الناس وتحولات المدن وشواهد التاريخ، وتستحق مشاريع تضمن استمرار حضورها في وجدان المواطنين.
كما أن استكمال مشروع ظلّ مؤجلا منذ أواخر الثمانينات يبرز أهمية المثابرة في تحويل الأفكار الثقافية إلى إنجازات ملموسة، ويؤكد أن المحافظة على التراث تحتاج إلى رؤية تجمع بين احترام القيمة التاريخية للمكان والبحث عن سبل جديدة لتقريبه من الجمهور.
وفي هذا السياق، عبّر بن عيسى عن شكره للهيئة المديرة لجمعية صيانة مدينة بنزرت على الثقة التي منحته إياها للمساهمة في إنجاز المشروع، كما نوّه بدور المعهد الوطني للتراث، الذي آمن بالمبادرة ومنح موافقته عليها، بما أتاح استكمال الأشغال في إطار يراعي أهمية المعلم وقيمته الأثرية.
هدية في عيد الجلاء.. حين يصبح الوفاء فعلا وطنيا
اختيار الإعلان عن انتهاء الأشغال تزامنا مع عيد الجلاء ليس تفصيلا عابرا في هذه الحكاية، بل يمنح الإنجاز بعدا رمزيا يرتبط بمعاني الحرية والانتماء والوفاء لتونس. ففي مناسبة تستحضر فيها البلاد تضحيات أبنائها من أجل استكمال السيادة الوطنية، تأتي العناية بمعلم تاريخي في مدينة الجلاء لتذكّر بأن الوفاء للوطن لا يقتصر على استحضار ماضيه، بل يشمل أيضا صيانة ذاكرته وحماية شواهده التاريخية ونقلها إلى الأجيال القادمة.
ومن بنزرت، المدينة التي ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في تاريخ تونس الحديث، يقدّم هذا المشروع مثالا على شكل آخر من أشكال التعبير عن الاعتزاز بالوطن: أن تتحوّل المحبة إلى عمل، وأن يصبح الحفاظ على التراث مساهمة في بناء المستقبل، وأن تجد الأحلام التي تركها الراحلون من يواصلها ويمنحها فرصة للتحقق.
وبين «سيدي الحني» الذي يستعيد حضوره في المشهد الثقافي للمدينة، والكرّاس الذي احتفظ بخط الأب وحلمه، تتكامل أبعاد الحكاية: معلم يُصان، وذاكرة تُستعاد، وأمانة تُحمل من جيل إلى آخر. وهي أبعاد تجعل من المشروع أكثر من إنجاز عمراني أو ثقافي، لتمنحه قيمة إنسانية قوامها الإيمان بأن ما يتركه الآباء من أحلام صادقة يمكن أن يظل حيّا، متى وجد من يصونه ويواصل الطريق.
«رحمك الله يا أبي».. نهاية الأشغال وبداية حكاية جديدة
لعلّ أكثر ما يختزل معنى هذا الإنجاز هو ما عبّر عنه صفوان بن عيسى في ختام تدوينته، حين توجّه إلى والده الراحل بكلمات تختصر سنوات من الانتظار والعمل والوفاء: «خطّك ما زال في الكرّاس، وحلمتك اليوم حيّة في سيدي الحني».
عبارة تختزل المسافة بين فكرة دوّنها أب قبل عقود ومشروع أصبح اليوم واقعا، وتكشف أن القيمة الحقيقية للإنجاز لا تُقاس فقط بما أُنجز على الأرض، بل أيضا بما يحمله من مشاعر وذكريات ومعانٍ. فبالنسبة إلى صاحب المبادرة، لا تكتمل الفرحة بانتهاء الأشغال وحده، وإنما تكتمل باستحضار الرجل الذي آمن بالفكرة أولا، وحاول تحقيقها بما أتيح له من إمكانات، قبل أن يترك لابنه مهمة إتمامها.
وهكذا، يكرّم صفوان بن عيسى والده الراحل من خلال عمل يلتقي فيه الوفاء العائلي بالمسؤولية الثقافية والوطنية، ويقدّم إلى التونسيين والتونسيات هدية تليق بعيد الجلاء، عنوانها صيانة الذاكرة والإيمان بقيمة التراث.
ففي بنزرت، لا يظلّ الحلم حبيس الكرّاس، ولا تبقى الذاكرة أسيرة الماضي؛ بل يمكن لفكرة صادقة أن تعبر الزمن، وأن تتحوّل، بجهد الأحياء ووفائهم لمن سبقوهم، إلى معلم يستعيد الحياة وشاهد جديد على حب الوطن.
كل عام وتونس حرّة وعزيزة، وكل عام وبنزرت وفيّة لتاريخها ورجالاتها.



