عادل بوبكر: الغرب لوّث محيطاتنا ثم يطالبنا بدفع ثمن التلوث.. والتمويل التجديدي فرصة لاستعادة ثرواتنا الطبيعية

عميد كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس يدعو إلى إرساء آليات تمويل مبتكرة لإحياء النظم البيئية، وتطوير الاقتصاد الأخضر، وتعزيز الشراكة بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية
التمويل التجديدي.. من معالجة الأضرار إلى بناء اقتصاد أكثر استدامة
لم يعد التحدي البيئي في العالم يقتصر على الحدّ من التلوث أو المحافظة على الموارد الطبيعية المتبقية، بل أصبح يتمثل أيضا في كيفية إصلاح ما أفسدته الأنشطة الاقتصادية والصناعية، وإعادة النظم البيئية إلى وضعها الطبيعي، وتحويل جهود الاستعادة إلى فرص اقتصادية قادرة على خلق الثروة وتحقيق التنمية. وفي هذا السياق، يبرز التمويل التجديدي باعتباره مقاربة تتجاوز المفهوم التقليدي للتمويل، لتبحث عن آليات تمكّن من استعادة الموارد المتضررة، وتضمن في الوقت نفسه مردودية للمشاريع والمستثمرين والمجتمعات المحلية.
وفي حوار مع عميد كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس، عادل بوبكر، طرح المتحدث مسألة التلوث البيئي من زاوية اقتصادية وتنموية، معتبرا أن البلدان التي ساهمت بدرجة كبيرة في تلويث البيئة العالمية لا يمكنها أن تنقل كلفة التحول البيئي إلى البلدان الإفريقية وحدها، ثم تفرض عليها أعباء إضافية تحت عنوان الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
ويؤكد بوبكر أن التمويل التجديدي يقوم على فكرة أساسية تتمثل في عدم الاكتفاء بإعادة إنتاج النشاط الاقتصادي بالشروط نفسها، بل العمل على إصلاح الأضرار المتراكمة، وإعادة بناء منظومات الإنتاج على أسس أكثر استدامة. فاستعادة الغابات المتضررة، وإحياء الأراضي التي فقدت قدرتها الإنتاجية، والحد من تلوث البحار، ليست مجرد تدخلات بيئية معزولة، وإنما يمكن أن تتحول إلى مشاريع اقتصادية تستقطب التمويل وتحقق منافع طويلة الأمد.
ضريبة الكربون.. من يتحمل كلفة التلوث العالمي؟
انتقد عادل بوبكر ما اعتبره اختلالا في توزيع الأعباء البيئية بين الدول، مشيرا إلى أن بعض الأسواق الغربية تفرض متطلبات مرتبطة بالبصمة الكربونية على المنتجات المستوردة، وهو ما قد يضع المؤسسات والاقتصادات الإفريقية أمام تكاليف إضافية عندما تسعى إلى النفاذ إلى تلك الأسواق.
وفي هذا السياق، لخّص موقفه بالقول: «الغرب يلوث محيطاتنا ثم يطالبنا بدفع ضريبة هذا التلوث»، معتبرا أن العدالة المناخية تقتضي النظر إلى المسؤوليات التاريخية عن التلوث، وإلى ما تعرضت له البلدان الإفريقية من استنزاف للموارد الطبيعية، قبل تحميلها أعباء إضافية مرتبطة بالتحول البيئي.
وتطرح هذه المسألة تحديا اقتصاديا حقيقيا بالنسبة إلى تونس، التي تحتاج إلى تطوير قدرتها التنافسية والمحافظة على نفاذ صادراتها إلى الأسواق الخارجية، في وقت تتزايد فيه أهمية المعايير البيئية في التجارة الدولية. فالمطلوب، وفق هذه المقاربة، لا يتمثل في رفض التحول نحو اقتصاد أقل تلويثا، وإنما في ضمان أن يكون هذا التحول عادلا، وأن تتوفر للدول النامية الإمكانات المالية والتكنولوجية اللازمة لإنجازه.
ومن هذا المنطلق، يرى بوبكر أن النقاش حول ضريبة الكربون ينبغي ألا ينفصل عن مسألة تمويل إصلاح الأضرار البيئية، وعن ضرورة بناء آليات تتيح للبلدان المتضررة الاستفادة من الاستثمارات الموجهة إلى استعادة مواردها الطبيعية، بدل الاكتفاء بتحمل كلفة الامتثال للمعايير الجديدة.
من البحر إلى الغابة والأرض.. الاستثمار في استعادة ما أتلفه الإنسان
يمتد مفهوم التمويل التجديدي، بحسب بوبكر، إلى مجالات متعددة تتجاوز حماية البيئة بمعناها الضيق، إذ يمكن توجيهه إلى معالجة تلوث البحار، واستعادة الغابات، وإصلاح الأراضي المتدهورة، وإعادة تأهيل الموارد الطبيعية التي فقدت جزءا من قدرتها على دعم النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في البلدان التي ترتبط فيها التنمية الاقتصادية ارتباطا وثيقا بالموارد الطبيعية، مثل تونس، حيث تمثل السواحل والموارد البحرية والغابات والأراضي الزراعية عناصر أساسية في منظومات الإنتاج والتشغيل والسياحة والأمن الغذائي.
ويقوم التصور الذي يطرحه عميد كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس على أن استعادة التوازن البيئي ينبغي أن تسبق، أو ترافق، بناء أنشطة اقتصادية جديدة. فلا يمكن، وفق هذا المنطق، تأسيس تنمية مستدامة على موارد متدهورة، أو إطلاق مشاريع إنتاجية جديدة من دون معالجة الاختلالات التي تهدد استمراريتها.
وتسمح هذه الرؤية بإعادة التفكير في المشاريع البيئية باعتبارها استثمارات ذات مردودية محتملة، لا مجرد نفقات تتحملها الدولة أو المؤسسات في إطار الالتزامات البيئية. غير أن نجاحها يظل مرتبطا بمدى قدرة أصحاب المشاريع على تحديد النتائج المنتظرة، وقياس الأثر البيئي والاقتصادي، وضمان استمرارية التمويل بعد انتهاء مراحل الإنجاز الأولى.
التمويل التجديدي في تونس.. كيف تتحول المشاريع البيئية إلى استثمارات؟
يرى عادل بوبكر أن إحدى أبرز العقبات التي تواجه المبادرات الهادفة إلى إعادة إحياء الموارد الطبيعية تتمثل في صعوبة توفير التمويل الكافي. فوجود الأفكار والكفاءات والمشاريع لا يضمن بالضرورة تنفيذها، ما لم تتوفر آليات مالية قادرة على تعبئة الموارد وتوزيع المخاطر وتوفير حوافز للمستثمرين.
ومن هنا تبرز أهمية البحث عن صيغ تمويل مبتكرة تسمح بإشراك أطراف متعددة في المشروع الواحد، مع ربط التمويل بالنتائج المنتظرة، سواء كانت بيئية أو اقتصادية أو اجتماعية. فالمشروع الذي يستهدف استعادة منطقة طبيعية أو تطوير نشاط إنتاجي مستدام يمكن أن يستقطب مساهمات من مستثمرين ومؤسسات مالية وشركاء آخرين، شرط أن تكون أهدافه واضحة وأن تتوفر ضمانات معقولة بشأن طريقة التصرف في الموارد والعائدات.
ويشير بوبكر إلى إمكانية الاستفادة من آليات تقوم على تقسيم المشاريع إلى وحدات استثمارية رقمية، أو ما يعرف بالتوكنات، بما يسمح للمشاركين بتمويل أجزاء من المشروع والاستفادة من عائداته وفق الشروط المحددة مسبقا. ويمكن، من حيث المبدأ، أن تساعد هذه الآليات على توسيع قاعدة المساهمين وتعبئة موارد إضافية لفائدة المشاريع التي يصعب تمويلها بالوسائل التقليدية.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع عملي يقتضي وضع إطار قانوني واضح، وضمان الشفافية في إدارة الأموال، وتحديد حقوق المستثمرين والتزاماتهم، فضلا عن إخضاع المشاريع للرقابة والتقييم. كما أن استخدام التكنولوجيا المالية، بما في ذلك تقنيات البلوكشين، لا يعفي من ضرورة التثبت من الجدوى الاقتصادية للمشاريع ومن قدرتها الفعلية على تحقيق الأثر البيئي المعلن.
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والاقتصاد الدائري.. أدوات متاحة تحتاج إلى التفعيل
لا يقتصر التمويل التجديدي على الأدوات الرقمية الحديثة، بل يمكن أن يتقاطع مع آليات أخرى سبق أن طُرحت في تونس، من بينها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والاقتصاد الدائري، ومختلف الصيغ التي تسمح بإعادة إدماج الموارد في الدورة الاقتصادية بدل إهدارها.
ويفتح الاقتصاد الدائري المجال أمام تقليص النفايات، وإعادة استخدام المواد، وتحسين كفاءة استغلال الموارد، في حين يتيح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إمكانات لإشراك المجتمعات المحلية في المشاريع المنتجة، وتوزيع المنافع الاقتصادية على نطاق أوسع. وعندما تقترن هذه المقاربات بآليات تمويل مناسبة، يمكن أن تتعزز فرص تنفيذ مشاريع تجمع بين خلق مواطن الشغل والمحافظة على البيئة وتحسين ظروف العيش.
ويعتبر بوبكر أن التحدي لا يكمن فقط في ابتكار آليات جديدة، وإنما أيضا في حسن استغلال الأدوات المتاحة وتطويرها، مع الاستفادة من التحولات التكنولوجية التي تتيحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبلوكشين. فهذه التقنيات يمكن أن تساعد على تحسين متابعة المشاريع، وتوفير بيانات أدق بشأن استخدام الأموال والنتائج المحققة، وتعزيز ثقة المستثمرين، شريطة أن توظف ضمن منظومة حوكمة واضحة.
وبذلك، يصبح التمويل التجديدي جزءا من تصور أوسع لتطوير الاقتصاد التونسي، يقوم على الربط بين الابتكار المالي، والاستثمار المنتج، والعدالة الاجتماعية، والاستعادة الفعلية للموارد الطبيعية.
لا تمويل مستداما من دون تهيئة اقتصادية ومؤسساتية
ورغم الإمكانات التي يتيحها التمويل التجديدي، يشدد بوبكر على أن نجاح هذه المقاربة لا يتحقق بمجرد توفير الأموال، بل يحتاج إلى أرضية اقتصادية ومؤسساتية قادرة على تحويل التمويلات إلى مشاريع فعلية.
وتشمل هذه الأرضية تطوير البنية التحتية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير الأطر القانونية المناسبة، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات والمؤسسات المتدخلة. كما أن تقليص الفوارق بين المناطق الساحلية والداخلية يظل عنصرا مهما في ضمان توزيع أوسع لفرص التنمية، حتى لا تتركز الاستثمارات الجديدة في المناطق الأكثر جاهزية على حساب الجهات التي تحتاج إلى تدخلات هيكلية أعمق.
وتبرز هنا أهمية الربط بين السياسات البيئية والخيارات الاقتصادية والتنموية، إذ لا يمكن فصل الاستثمار في استعادة الغابات أو الأراضي أو الموارد البحرية عن التخطيط الجهوي، ولا عن تطوير الأنشطة الإنتاجية التي توفر فرص العمل وتخلق القيمة المضافة. فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجعل من حماية الموارد الطبيعية مدخلا إلى تنمية اقتصادية أكثر توازنا، لا عبئا إضافيا على المؤسسات والدولة.
ويتيح هذا التوجه أيضا التفكير في تطوير أنشطة صناعية أقل تلويثا، وتعزيز القدرة على الإنتاج وفق معايير بيئية أكثر صرامة، بما يساعد على الاستجابة للتحولات التي تشهدها الأسواق الدولية، مع المحافظة على مصالح الاقتصاد الوطني.
الجامعة والمؤسسات المالية.. شراكة تتجاوز التكوين إلى إنتاج الحلول
وفي جانب آخر من الحوار، توقف عادل بوبكر عند أهمية العلاقة بين الجامعة التونسية ومحيطها الاقتصادي، مثمنا مشاركة المؤسسات المالية في الأنشطة الجامعية، ومؤكدا أن التعاون بين الطرفين يمكن أن يتجاوز الحضور في التظاهرات واللقاءات إلى شراكات عملية تقوم على معالجة الإشكاليات الحقيقية للمؤسسات.
وتتيح هذه الشراكة، بحسب تصوره، توجيه البحوث الجامعية نحو حاجيات السوق، من خلال تحديد المؤسسات للمشكلات التي تواجهها، وتكليف فرق بحث مختصة بدراستها واقتراح الحلول المناسبة. وفي المقابل، تستفيد الجامعة من إمكانات إضافية لتطوير البحث التطبيقي، كما يحصل الباحثون على فرص للعمل في مشاريع مرتبطة بواقع المؤسسات الاقتصادية.
وضرب بوبكر مثالا بتعاون مع مؤسسة مصرفية، يقوم على إسناد مسائل محددة إلى باحثين جامعيين لدراستها، مع توفير إطار من السرية لحماية المعطيات المهنية التي تضعها المؤسسة على ذمة فريق البحث. وتسمح هذه الصيغة، إذا ما أُحسن تنظيمها، بتقريب المسافة بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات العمل، وإنتاج حلول تستند إلى التحليل العلمي والبيانات الميدانية.
ولا تقتصر فوائد هذا التوجه على المؤسسات المنتفعة بالبحوث، بل يمكن أن تمتد إلى الباحثين الشبان الذين يجدون فرصا للمشاركة في مشاريع تطبيقية والحصول على موارد تساعدهم على مواصلة العمل العلمي. كما يمكن للمؤسسات أن تستفيد من خبرات جامعية متخصصة من دون الاكتفاء بالحلول الجاهزة أو الاستشارات العامة.
نحو إطار قانوني يفتح المجال أمام مشاريع جديدة
وفي سياق تعزيز العلاقة بين البحث العلمي والمحيط الاقتصادي، أشار بوبكر إلى العمل على تقديم مقترحات قانونية بالتعاون مع مختصين في المجال القانوني، استجابة لحاجة إلى تطوير الأطر المنظمة لبعض المشاريع والأنشطة الاقتصادية. ويمثل هذا التوجه، وفق ما ورد في الحوار، محاولة لتحويل الخبرة الجامعية إلى مقترحات عملية قابلة للتطبيق، بما يساهم في تهيئة الظروف اللازمة لظهور مبادرات جديدة.
وتكشف هذه المقاربة عن أهمية التكامل بين الاختصاصات، إذ لا يكفي أن تتوفر المعرفة الاقتصادية أو التقنية لإنجاح مشروع، بل ينبغي أن يرافقها إطار قانوني ملائم، وآليات تمويل واضحة، وشركاء قادرون على التنفيذ والمتابعة. ومن شأن الجمع بين هذه العناصر أن يعزز فرص انتقال المشاريع من مرحلة التصور والدراسة إلى مرحلة الإنجاز وتحقيق النتائج.
وفي المحصلة، يطرح عادل بوبكر التمويل التجديدي باعتباره فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين الاقتصاد والبيئة، وفي كيفية توزيع كلفة الأضرار البيئية وتمويل إصلاحها. كما يربط نجاح هذه المقاربة بقدرة تونس على تطوير أدوات مالية مبتكرة، وتفعيل الآليات الاقتصادية المتاحة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع الشراكة بين الجامعة والمؤسسات.
فالتحدي لا يتمثل في تعبئة الأموال فحسب، بل في توجيهها نحو مشاريع تعيد إحياء الموارد المتضررة، وتخلق قيمة اقتصادية مستدامة، وتمنح الأجيال القادمة بيئة أكثر قدرة على دعم التنمية. وبين العدالة المناخية والابتكار المالي والبحث العلمي، تبرز الحاجة إلى تحويل التمويل التجديدي من مفهوم نظري إلى آليات عملية قابلة للقياس والتقييم، تخدم الاقتصاد التونسي وتحافظ على ثرواته الطبيعية.




