اقتصاد

أحمد الوسيعي: الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل المحاسبة.. بين ثورة الممارسة وتحديات البحث العلمي

من تسريع إنجاز المهام إلى تطوير جودة البحوث واتخاذ القرار، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقا جديدة أمام المحاسبين والباحثين، لكنه يطرح في المقابل أسئلة حاسمة حول أخلاقيات الاستخدام وسرية المعلومات وحدود الاعتماد على الأدوات الذكية.

المحاسبة أمام تحوّل جذري: لم تعد المهام كما كانت في السابق

لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي على مهنة المحاسبة مقتصرا على إدخال أدوات تكنولوجية جديدة لتسريع إنجاز الأعمال، بل أصبح جزءا من تحوّل أوسع يعيد تشكيل طبيعة الممارسة المهنية وأساليب البحث العلمي والمهارات المطلوبة لمواكبة المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يؤكد الأستاذ الجامعي المختص في المحاسبة أحمد الوسيعي أن القطاع يشهد تغيرات عميقة طالت طبيعة المهام والرهانات المرتبطة بها، بما يفرض على المهنيين والباحثين إعادة النظر في طرق العمل والتفكير والاستفادة من الإمكانات التي تتيحها التقنيات الحديثة.

وخلال حوار إعلامي على هامش فعاليات مؤتمر TICEFA 2026، أوضح الوسيعي أن المحاسبة، شأنها شأن العديد من المجالات الأخرى، أصبحت معنية مباشرة بالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي يوفر إمكانات واسعة للمساعدة في معالجة المعلومات وتطوير أساليب العمل. غير أن هذا التحول لا يتعلق بمجرد تبنّي التكنولوجيا، بل يتصل أساسا بكيفية توظيفها بطريقة واعية وفعالة، تسمح بتحسين الأداء دون التفريط في الدور الأساسي للإنسان في التحليل والتقييم واتخاذ القرار.

الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.. مساعد قوي لا بديل عن الباحث

في المجال الأكاديمي، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرا بصورة متزايدة في مختلف مراحل إعداد البحوث، من استكشاف المعلومات وتنظيمها إلى تحليل المعطيات وتطوير الأفكار. ويرى أحمد الوسيعي أن هذه الإمكانات تمثل فرصة ينبغي استغلالها، بعيدا عن التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها تهديدا للبحث العلمي. فالمسألة، وفق مقاربته، ليست في رفض الأدوات الذكية أو الحد من استخدامها بصورة مطلقة، وإنما في معرفة كيفية توظيفها حتى تكون عاملا مساعدا على تطوير جودة الإنتاج العلمي وتحسين مردودية الباحثين.

لكن هذا التوجه يقتضي التمييز بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتيسير بعض مراحل البحث، وبين تحويله إلى أداة تنجز العمل بالكامل نيابة عن الباحث. فكلما أصبح الاعتماد على هذه التقنيات شاملا وغير نقدي، تزايد خطر تراجع المجهود الفكري المستقل، وضعف القدرة على التحقق من المعلومات وبناء الاستنتاجات على أسس علمية متينة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إيجاد توازن واضح بين الاستفادة من سرعة الأدوات الذكية وقدراتها، والمحافظة على قيمة التحليل البشري الذي يمنح البحث أصالته وعمقه ومصداقيته.

من سهولة الاستخدام إلى ضرورة الضوابط.. أين تنتهي مساعدة الآلة ويبدأ دور الإنسان؟

لا تكمن التحديات الحقيقية في توفر أدوات الذكاء الاصطناعي أو سهولة الوصول إليها فحسب، بل في وضع قواعد واضحة تحدد مجالات استخدامها وحدود الاعتماد عليها. ويشدد الوسيعي على أهمية إرساء ضوابط أخلاقية ومهنية تواكب هذا التطور، حتى لا تتحول سهولة إنجاز المهام إلى مبرر للتخلي عن المسؤولية الفكرية أو تجاوز القواعد التي تحكم العمل الأكاديمي.

وتتأكد هذه الحاجة خصوصا في المؤسسات الجامعية، حيث ينبغي توضيح الحالات التي يمكن فيها للطلبة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، والمهام التي يمكن أن يؤدي فيها دورا مساعدا، فضلا عن ضرورة التصريح بكيفية استخدامه عند إنجاز الأعمال العلمية. وأشار الوسيعي إلى أن المعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج لا يمنع استعمال هذه الأدوات، وإنما يعتمد ضوابط تنظّم استخدامها وتدفع الطلبة إلى توضيح طبيعة الاستعانة بها. ويعكس هذا التوجه محاولة للجمع بين الانفتاح على التطور التكنولوجي والمحافظة على النزاهة الأكاديمية، من خلال ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول بدلا من الاكتفاء بالمنع أو ترك المجال مفتوحا دون قواعد.

سرية المعلومات تحت الاختبار.. الخطر الذي لا يجوز الاستهانة به

من أبرز المسائل التي يطرحها الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي مسألة حماية البيانات وسرية المعلومات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالبحوث أو الوثائق المهنية التي تتضمن معطيات حساسة. فاللجوء إلى منصة ذكية لمعالجة نص أو تلخيص وثيقة أو تحليل بيانات لا ينبغي أن يتم بصورة آلية، دون التثبت من طبيعة المعلومات التي يقع إدخالها، وشروط معالجة تلك البيانات، ومستوى الحماية الذي توفره الأداة المستعملة.

وفي هذا الإطار، يلفت الوسيعي إلى ضرورة إدراج قواعد واضحة تتعلق بأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يضمن احترام سرية المعلومات وعدم تعريض المعطيات المهنية أو البحثية الحساسة لمخاطر غير محسوبة. فالتطور التكنولوجي، مهما بلغت فوائده، لا يلغي المسؤولية الملقاة على عاتق الباحث أو المحاسب في حماية المعلومات التي يتعامل معها. كما أن الاستخدام المسؤول يقتضي التثبت من النتائج التي تنتجها الأدوات الذكية، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية لا تحتاج إلى مراجعة أو تدقيق.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع جودة البحوث المحاسبية؟

وفي مداخلته ضمن إحدى جلسات النقاش في المؤتمر، تناول أحمد الوسيعي الرهانات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي أمام المهنيين والباحثين في مجال المحاسبة، مع التركيز على سبل توظيف أدواته لتحسين جودة البحوث العلمية. ولا يتعلق الأمر هنا باستخدام منصة واحدة أو الاعتماد على تطبيق بعينه، بل بفهم الوظائف التي يمكن أن تؤديها الأدوات المختلفة، واختيار الأنسب منها بحسب طبيعة الإشكالية البحثية والمرحلة التي بلغها العمل.

ويمكن لهذا التوظيف أن يساعد الباحثين على تنظيم المعلومات، واستكشاف الدراسات السابقة، وتحديد العلاقات بين البحوث، وتحليل المعطيات وصياغة النتائج بصورة أكثر وضوحا. غير أن تحقيق هذه الفوائد يظل مرتبطا بقدرة الباحث على تقييم المخرجات والتحقق من دقتها ومصادرها، فضلا عن امتلاكه الأدوات المنهجية اللازمة للتمييز بين المعلومة الموثوقة والاستنتاج الذي يحتاج إلى مراجعة. فالذكاء الاصطناعي قد يسهّل الوصول إلى المعرفة ومعالجتها، لكنه لا يعفي الباحث من بناء إشكاليته العلمية، وتحديد منهجه، وتفسير نتائجه، وتحمل مسؤولية ما ينشره.

الباحث الشاب أمام فرصة جديدة.. بشرط امتلاك أدوات النقد والتحقق

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى الباحثين الشبان، الذين يجدون أنفسهم أمام منظومة متطورة من الأدوات القادرة على مساعدتهم في إنجاز أعمالهم العلمية. ويرى الوسيعي أن الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في دفع البحث العلمي إلى الأمام، ومساعدة الأجيال الجديدة من الباحثين على تطوير قدراتهم وتحسين نوعية إنتاجهم، شريطة ألا يتحول هذا الدعم إلى اعتماد كلي يفقدهم القدرة على التفكير المستقل.

وتكمن الفرصة الحقيقية في تمكين الباحث من توجيه وقته وجهده نحو الجوانب الأكثر أهمية في العمل العلمي، مثل بناء الفرضيات، وتحليل النتائج، ومناقشة التفسيرات المختلفة، وتطوير مساهمات بحثية ذات قيمة مضافة. وفي المقابل، يصبح التكوين على الاستخدام النقدي لهذه الأدوات ضرورة لا تقل أهمية عن تعلم المناهج التقليدية للبحث، لأن الباحث الذي لا يمتلك القدرة على التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي قد يجد نفسه أمام معلومات غير دقيقة أو استنتاجات لا تستند إلى أدلة كافية. لذلك، فإن تطوير الكفاءات الرقمية ينبغي أن يسير بالتوازي مع ترسيخ التفكير النقدي واحترام أخلاقيات المهنة.

مستقبل المحاسبة لا تصنعه التكنولوجيا وحدها.. بل طريقة توظيفها

تكشف مقاربة أحمد الوسيعي أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في المحاسبة يتجاوز مسألة تعويض بعض المهام أو تسريع تنفيذها، ليشمل إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا داخل الممارسة المهنية والبحث العلمي. فالتحدي الأساسي لا يتمثل في مواكبة الأدوات الجديدة لمجرد أنها أصبحت متاحة، وإنما في تحديد المجالات التي تضيف فيها قيمة حقيقية، وضمان استخدامها ضمن إطار يحترم المسؤولية المهنية وسرية البيانات والنزاهة الأكاديمية.

وبين الإمكانات التي تتيحها هذه التقنيات والمخاطر التي قد تنتج عن سوء استخدامها، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء ثقافة جديدة تقوم على الاستفادة الواعية من الذكاء الاصطناعي، مع الإبقاء على الإنسان في قلب عملية التحليل والتقييم واتخاذ القرار. وهي معادلة ستزداد أهميتها خلال السنوات المقبلة، مع اتساع حضور الأدوات الذكية في المؤسسات والجامعات، لتصبح القدرة على استخدامها بكفاءة ومسؤولية من أبرز الشروط التي تحدد جودة العمل المحاسبي والبحث العلمي في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى