فوزي الزياني وأميمة العيفة: الذكاء الاصطناعي والمؤشرات الجغرافية… ثورة جديدة لتعزيز قيمة زيت الزيتون التونسي في الأسواق العالمية

هذا التحول كان محور الحوار مع السيد فوزي الزياني، رئيس جمعية تونس الزيتونة، والدكتورة أميمة العيفة، المختصة في الذكاء الاصطناعي، اللذين قدّما رؤيتين متكاملتين لمستقبل قطاع زيت الزيتون التونسي، انطلاقا من تثمين المؤشرات الجغرافية والتسميات المثبتة، وصولا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير استراتيجيات التصدير والتسويق، وتحسين هوامش الربح وبناء علامات تجارية تونسية قادرة على المنافسة عالميا.
المؤشرات الجغرافية… من خصوصية الأرض إلى مضاعفة القيمة التجارية للزيت التونسي
أكد فوزي الزياني أن المؤشرات الجغرافية والتسميات المثبتة تمثل إحدى أهم الآليات المتاحة أمام تونس لتثمين زيت الزيتون والتعريف بخصوصياته في الأسواق الخارجية، مشيرا إلى أن هذه المقاربة لا تقتصر على منح المنتوج صفة مميزة، بل تفتح آفاقا اقتصادية وتنموية أوسع للمناطق المنتجة، من خلال ربط جودة الزيت بهويته الجغرافية والمناخية وخصائص الأرض التي نشأ فيها.
وفي هذا السياق، كشف الزياني عن العمل على مشروع جديد يتعلق بحوض المكناسي، الذي يتميز بخصوصيات طبيعية ومناخية تمنحه مقومات مهمة لإنتاج زيت زيتون ذي هوية متفردة، معربا عن أمله في أن يرى هذا المشروع النور قريبا. واعتبر أن أهمية هذه المبادرة تتجاوز مجرد إحداث تسمية جديدة، لتشمل إرساء نموذج تنموي تستفيد منه المنطقة بأكملها، إذ يمكن للفلاح أن يسوّق إنتاجه مستقبلا بأسعار أفضل، مستندا إلى خصوصية جغرافية معترف بها، بما ينعكس إيجابا على دخله وقدرته على الاستثمار.
ولا تتوقف المكاسب عند حدود النشاط الفلاحي، وفق المتحدث، إذ يمكن أن تتحول هذه الخصوصية إلى رافعة لتنشيط السياحة المحلية، من خلال تطوير دور الضيافة وتنظيم الزيارات الميدانية والتعريف بالموروث الفلاحي والغذائي للجهة. فالمكناسي، بما تتميز به من موقع محاط بالجبال ومناخ خاص، تمتلك عناصر يمكن استثمارها في بناء تجربة سياحية واقتصادية متكاملة، تجعل من زيت الزيتون مدخلا للتنمية المحلية وليس مجرد منتوج فلاحي معدّ للبيع.
تونس تمتلك ثروة من الهويات الجغرافية… لكن التحدي في تحويلها إلى قيمة مضافة
وشدد رئيس جمعية تونس الزيتونة على أن تونس تزخر بعديد المناطق التي تمتلك من الخصائص الطبيعية والمناخية ما يؤهلها لتطوير تسميات جغرافية جديدة، مستفيدة من التنوع الكبير الذي يميز جهات الإنتاج التونسية، من الشمال إلى الوسط والجنوب. وأوضح أن كل تسمية جغرافية جديدة تمثل فرصة لإضافة قيمة حقيقية إلى المنتوج، لأنها تمنح المستهلك الأجنبي معلومات عن مصدر الزيت وخصوصياته، وتساعد على تمييزه عن بقية المنتجات المنافسة.
وأشار الزياني إلى أن المستهلك في الأسواق العالمية لم يعد يبحث عن الزيت باعتباره مادة استهلاكية فحسب، بل أصبح يهتم أكثر بمصدره وطريقة إنتاجه والبيئة التي نشأ فيها، فضلا عن الخصائص التي تجعله مختلفا عن غيره. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الهوية الجغرافية، باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء الثقة وتعزيز القدرة على التسويق بأسعار أعلى، بما يسمح للفلاح والمصدر بتحقيق عائد اقتصادي أفضل.
وأضاف أن تونس تمتلك بالفعل عددا من التسميات والمؤشرات الجغرافية المرتبطة بزيت الزيتون، من بينها مناطق مثل قرمدة وبنزرت والهوارية وصفاقس وغيرها، وهو ما يمثل قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع حضور الزيت التونسي في الأسواق الدولية. غير أن هذا التوجه، بحسب تصوره، ينبغي أن يترافق مع مراعاة مصلحة المستهلك التونسي أيضا، حتى لا تتحول استراتيجية التثمين والتصدير إلى عامل يحدّ من قدرته على النفاذ إلى زيت الزيتون بأسعار مناسبة، مؤكدا ضرورة التوفيق بين تحسين مداخيل المنتجين والمحافظة على توازن السوق المحلية.
الذكاء الاصطناعي يدخل عالم زيت الزيتون… من تحليل الأسواق إلى فهم المستهلك
من جهتها، كشفت الدكتورة أميمة العيفة عن تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي في تونس، بالتعاون مع مهندسين تونسيين ضمن شركة «أكليد»، تم تصميمه خصيصا للمساهمة في تثمين زيت الزيتون والمحافظة على هويته في الأسواق العالمية. ويستهدف هذا الحل التكنولوجي مساعدة المصدرين التونسيين على تجاوز عدد من الصعوبات المرتبطة بالتسويق والتصدير، من خلال توفير أدوات تحليل متقدمة تساعدهم على اتخاذ قرارات تجارية أكثر دقة وفاعلية.
وأوضحت العيفة أن النموذج يقوم أساسا على تمكين المصدر من رؤية أوضح للأسواق الخارجية، وتحديد الوجهات التي يمكن أن تحقق أفضل فرص البيع، إلى جانب التعرف على الفئات الاستهلاكية المستهدفة وطبيعة المنتجات التي تبحث عنها. كما يساعد على تقييم خيارات التسويق والتعبئة والتغليف، وتحديد الطريقة الأنسب لتقديم المنتوج، فضلا عن توجيه المصدر نحو اختيار الشركاء التجاريين الأكثر ملاءمة لاستراتيجيته التصديرية.
وبيّنت أن الفريق أنجز مرحلة أولية من التجربة، أو ما يعرف بـ«إثبات المفهوم» (Proof of Concept)، وأظهرت النتائج الأولية إمكانية تحسين هامش الربح بنسب تتراوح بين 20 و30 بالمائة. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة عند المقارنة بين تصدير زيت الزيتون سائبا في شكل «Vrac» وتصديره معبّأ ومقدّما في صورة منتوج تجاري متكامل، إذ إن تحسين طريقة التسويق والتموقع في السوق يمكن أن يفتح المجال أمام عائدات أكبر، حتى دون أن يكون التغيير مرتبطا بالضرورة بزيادة حجم الإنتاج.
وأضافت أن هذه النتائج الأولية تتيح للمصدرين بناء فرضيات بيع أكثر واقعية، اعتمادا على معطيات وتحليلات تساعدهم على تقييم فرصهم قبل دخول الأسواق، بدلا من اتخاذ القرارات بناء على التخمين أو التجارب المحدودة.
المستهلك هو مفتاح المعادلة… والذكاء الاصطناعي يكشف ما لا يراه المصدر
ومن أبرز النقاط التي ركزت عليها أميمة العيفة مسألة الفجوة المعلوماتية بين المنتج والمصدر من جهة، والمستهلك في الأسواق الخارجية من جهة أخرى. فالمصدر التونسي قد يمتلك منتوجا عالي الجودة، لكنه لا يعرف بالضرورة ما الذي يبحث عنه المستهلك في السوق المستهدفة، وما الذي يجذبه إلى علامة تجارية معينة، أو ما الذي يدفعه إلى اختيار قارورة دون أخرى، أو تفضيل منتوج على منافسيه رغم تقارب الجودة.
واعتبرت أن جودة زيت الزيتون التونسي لم تعد وحدها كافية لضمان التفوق التجاري، خاصة في ظل وفرة المعلومات والمنتجات والعلامات التجارية التي يتعرض لها المستهلك يوميا. فالتحدي الحقيقي أصبح يتمثل في كيفية إيصال المعلومة المناسبة إلى الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب، بطريقة تجعله يختار المنتوج التونسي ويواصل التعامل معه على المدى الطويل، عوض أن يكون شراؤه مجرد تجربة عابرة.
وفي هذا الإطار، أشارت إلى أهمية الاستفادة من التحليلات المتقدمة لسلوك المستهلك، بما في ذلك المقاربات المرتبطة بالعلوم العصبية وسلوك المستخدم (User Behavior)، لفهم دوافع الشراء والاختيارات الاستهلاكية بصورة أعمق. فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على جمع المعلومات المتعلقة بالأسواق، بل يساعد أيضا على تحليلها واستخلاص أنماط وتوجهات يمكن تحويلها إلى قرارات عملية، سواء تعلق الأمر بشكل العبوة أو طريقة عرض المنتوج أو الرسائل التسويقية التي ينبغي اعتمادها.
وبذلك، يصبح المصدر قادرا على الانتقال من استراتيجية تقوم على عرض ما ينتجه وانتظار من يشتريه، إلى استراتيجية أكثر تطورا تنطلق من فهم حاجيات المستهلك وتكييف المنتوج وطريقة تقديمه مع تطلعاته، وهي نقلة يمكن أن تحدث فارقا حقيقيا في قدرة زيت الزيتون التونسي على المنافسة.
من الربح السريع إلى بناء علامة تونسية عالمية… معادلة تتجاوز حدود التصدير
وترى أميمة العيفة أن المكاسب التي يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي لقطاع زيت الزيتون تتوزع على مستويين متكاملين: أولهما تحقيق نتائج اقتصادية سريعة من خلال تحسين هوامش الربح، وثانيهما بناء قيمة مستدامة للعلامة التجارية التونسية في الأسواق الدولية.
فعلى المدى القريب، يمكن أن يساهم تحسين قرارات التعبئة والتسويق واختيار الأسواق المستهدفة في تقليص الفارق بين العائدات المتأتية من تصدير الزيت سائبا وتلك التي يمكن تحقيقها عبر تسويق منتوج معبأ ومتميز. وأكدت العيفة أن حتى تحقيق زيادة محدودة في هامش الربح لدى كل مصدر يمكن أن تكون له انعكاسات اقتصادية مهمة على المستوى الوطني، بالنظر إلى حجم نشاط القطاع وأهمية صادرات زيت الزيتون في الاقتصاد التونسي.
أما الرهان الأبعد، فيتمثل في بناء علامة تجارية تونسية قوية تستند إلى الهوية والأصل والجودة، وتستفيد من التسميات الجغرافية والمؤشرات المثبتة لتكريس صورة زيت الزيتون التونسي في أذهان المستهلكين بالخارج. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس الاكتفاء ببيع زيت عالي الجودة، وإنما جعل المستهلك قادرا على التعرف على هويته وتمييزه والارتباط به، بما يضمن استمرارية الطلب عليه ويعزز مكانته في الأسواق العالمية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه فوزي الزياني بشأن أهمية تثمين الخصوصيات الجغرافية للمناطق المنتجة، إذ تمثل المؤشرات الجغرافية والذكاء الاصطناعي عنصرين متكاملين في استراتيجية واحدة: الأول يمنح الزيت هويته ويميزه من حيث المنشأ والخصائص، والثاني يوفر الأدوات لفهم الأسواق وتحديد المستهلكين المناسبين وتسويق المنتوج بأكثر الطرق نجاعة.
وهكذا، لا يبدو مستقبل زيت الزيتون التونسي رهينا فقط بحجم المحصول أو جودة الإنتاج، بل بقدرة مختلف المتدخلين على الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والهوية التجارية. فتونس تمتلك الأرض والمناخ والخبرة الفلاحية، وتملك اليوم أيضا كفاءات تكنولوجية قادرة على ابتكار حلول جديدة للقطاع. ويبقى التحدي في تحويل هذه المقومات إلى استراتيجية متكاملة تجعل من «الذهب الأخضر» علامة تونسية ذات قيمة عالمية، وتضمن في الوقت نفسه عائدا أفضل للفلاح والمصدر، ومكانة أقوى للاقتصاد الوطني.

