وقارٌ فارسيّ في منابر عربية صاخبة!

في زمنٍ يعلو فيه الضجيج على الفكرة، وتغلب فيه الانفعالات على التحليل، يبرز Hassan Ahmadian كصوت مختلف في المشهد الإعلامي والسياسي، خصوصًا عند تناوله للملف الإيراني وتعقيدات الشرق الأوسط.
ليس حضوره مجرد ظهور أكاديمي عابر، بل أقرب إلى مشهدٍ متكامل لرجل يقدّم السياسة كمعادلة عقلانية باردة، تُفكَّك فيها الأزمات لا بالصوت المرتفع، بل ببناء الفكرة طبقةً فوق طبقة، حتى تتضح الصورة كاملة أمام المتلقي.
في ظهوره الإعلامي الأخير على شاشة المنار، وقناة الجزيرة ، بدا أحمديان كمن يدخل ساحة نقاش مزدحمة دون أن يرفع صوته، لكنه يفرض الانتباه منذ اللحظة الأولى. هدوءه لم يكن ضعفًا في النبرة، بل قوة في السيطرة على الفكرة، ورصانة في إدارة الحوار. كان أشبه بـ“فارسٍ فكري” يدخل ساحة الجدل، لا بسيف الخطابة، بل بصلابة المنطق واتزان الحجة.
يتعامل مع المشكل الإيراني–الإقليمي من منظور لا يترك مجالًا للانفعال، بل يضعه داخل إطار أشمل من توازن القوى والردع والحسابات الاستراتيجية.
ما يلفت في أسلوبه ليس فقط مضمون التحليل، بل طريقة تقديمه. فهو لا يسعى إلى استقطاب الجمهور عبر الإثارة، بل عبر الإقناع الهادئ. جمل قصيرة، بناء منطقي متسلسل، ونبرة لا تعرف الارتباك. وفي بيئة إعلامية اعتادت على الصخب، يتحول هذا الهدوء نفسه إلى عنصر جذب، بل وإلى قوة تأثير غير مباشرة.
لقد بدا في هذا الظهور وكأنه يقدّم نموذجًا مختلفًا للمحلل السياسي: رجلٌ صلب في منطقه، رصين في حضوره، يترك للفكرة أن تقاتل بدل الصوت. ومن هنا جاء وقع حضوره لدى بعض المتابعين الذين وجدوا فيه نقيضًا للخطاب التقليدي، حيث تُستبدل الحجة بالانفعال، والتحليل بالشعارات.
في النهاية، يمكن القول إن ما يميّز هذا النوع من الحضور ليس فقط ما يقوله ، بل كيف يقوله. فبين صخب المنابر، يظهر أحيانًا من يشبه “الفارس الهادئ”: لا يطلب الانتباه، لكنه يفرضه، ولا يرفع صوته، لكنه يترك أثرًا أطول من الصدى.
حسن الاحمديان قد تختلف حوله الاصطفافات الإيديولوجية، لكن حضوره الأخير فرض نفسه خارج منطق الانقسام؛ إذ بدا شديد التماسك، واعطى نموذجا ملفتا في الثبات الانفعالي الذي يفتقده الكثير ممن يدعون انفسهم اكاديميين.
شيماء العباسي




