وطنية

تونس على خطّ الحياة والموت: أزمة الدم تكشف هشاشة الوعي الصحي في البلاد

في بلد تُجرى فيه آلاف العمليات الجراحية سنويا، ويواجه فيه المرضى حالات طارئة لا تنتظر، يظل الدم المورد الأكثر حساسية في المنظومة الصحية. ورغم توفر شبكة منظمة لنقله وتوزيعه، تكشف الأرقام أن تونس ما تزال تعتمد على ثقافة تبرع غير مستقرة، تجعل حياة المرضى أحيانا رهينة لحظات الاستجابة العائلية لا لثقافة صحية دائمة.

التبرع العائلي يهيمن على المشهد الصحي

تشير المعطيات الرسمية إلى أن التبرع العائلي ما يزال يشكل العمود الفقري لمنظومة الدم في تونس بنسبة تقارب 65 بالمائة من إجمالي التبرعات. هذا النمط يقوم أساسا على تدخل العائلات لتعويض حاجيات المرضى عند الحاجة، بدل وجود مخزون ثابت يعتمد على متبرعين منتظمين.

في المقابل، لا تتجاوز نسبة التبرع الطوعي المنتظم 35 بالمائة، وهو ما يعكس أن التبرع بالدم لم يتحول بعد إلى سلوك مجتمعي يومي، بل ما يزال مرتبطا بالضرورة والاستعجال.

هدف وطني نحو التحول التدريجي

تسعى تونس إلى إعادة التوازن داخل هذه المنظومة عبر رفع نسبة التبرعات الطوعية المنتظمة إلى 50 بالمائة في مرحلة أولى، مع التوجه لاحقا نحو تعميم هذا النمط بالكامل، تماشيا مع توصيات منظمة الصحة العالمية.

غير أن هذا الهدف يواجه تحديا أساسيا يتمثل في تغيير السلوك الاجتماعي نفسه، إذ إن بناء قاعدة متبرعين منتظمين يتطلب وقتا وجهدا مستمرا يتجاوز الجانب التنظيمي إلى البعد الثقافي والتوعوي.

التوعية الضعيفة تعرقل التحول

ترى الجهات المشرفة على قطاع نقل الدم أن نقص التوعية يمثل أحد أبرز أسباب ضعف الإقبال على التبرع المنتظم. فجزء واسع من المواطنين ما يزال ينظر إلى التبرع باعتباره فعلا ظرفيا مرتبطا بالحالات الطارئة، وليس ممارسة صحية آمنة يمكن تكرارها بشكل دوري.

هذا الغياب في الوعي جعل التبرع بالدم خارج دائرة العادات الصحية اليومية، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار المخزون الوطني.

مخزون لا يصمد أمام الضغط الموسمي

رغم وجود منظومة وطنية تضم المركز الوطني لنقل الدم ومراكز جهوية في عدة ولايات إضافة إلى بنوك الدم بالمستشفيات، فإن المخزون الاستراتيجي يظل محدودا ولا يغطي سوى حوالي خمسة أيام من حاجيات البلاد في بعض الفترات.

وتزداد هشاشة الوضع خلال شهر رمضان بسبب تراجع التبرع أثناء الصيام، وكذلك خلال العطلة الصيفية، حيث ينخفض الإقبال بشكل ملحوظ، ما يضع المنظومة الصحية تحت ضغط متكرر.

بين المعايير العالمية وواقع يحتاج إلى تغيير

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن بلوغ نسبة 2 بالمائة من السكان كمتبرعين منتظمين كفيل بتأمين حاجيات أي بلد من الدم بشكل مستقر. وهو هدف ما يزال يحتاج في تونس إلى مجهودات متواصلة على مستوى التوعية والتحفيز وبناء ثقافة تبرع مستدامة.

وفي النهاية، تبدو أزمة الدم في تونس أقل ارتباطا بنقص الموارد وأكثر ارتباطا بنقص الوعي. فحين يتحول التبرع من استجابة ظرفية إلى سلوك دائم، يصبح النظام الصحي أكثر قدرة على إنقاذ الأرواح دون انتظار النداءات العاجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى