الفسفاط التونسي بين ضغط الأزمات ووعود الإنقاذ: رهان ثقيل على 2035

يعيش قطاع الفسفاط في تونس وضعًا دقيقًا يعكسه بوضوح العرض المقدم أمام لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب. فبين طموحات العودة إلى موقعه كقاطرة للاقتصاد الوطني، وواقع مثقل بصعوبات مالية وهيكلية متراكمة، يجد هذا القطاع نفسه أمام مرحلة حساسة تتطلب قرارات حاسمة أكثر من أي وقت مضى.
المعطيات تشير إلى أن المؤسستين، شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي، تواجهان اختلالات عميقة حدّت من قدرتهما على أداء أدوارهما الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تتزايد فيه الضغوط لإعادة إحياء نسق الإنتاج.
هدف 2035: طموح إنتاجي ثقيل بكلفة استثمارية ضخمة
في قلب هذه الصورة المعقدة، تبرز خطة استراتيجية طموحة تهدف إلى رفع إنتاج الفسفاط التجاري إلى 9.4 ملايين طن في أفق سنة 2035، ضمن استثمارات تناهز 2.7 مليار دينار.
هذا الهدف يعكس محاولة لإعادة تموقع القطاع داخل الدورة الاقتصادية الوطنية والدولية، غير أن حجم الطموح يضعه مباشرة أمام تحديات التنفيذ، خاصة في ظل الوضعية الحالية التي ما تزال بعيدة عن الاستقرار الإنتاجي المطلوب.
إنتاج 2026: انتعاشة محدودة داخل قيود بنيوية
تشير التقديرات إلى أن الطاقة الإنتاجية ستبلغ خلال سنة 2026 حوالي 4.5 ملايين طن، وهو مستوى يعكس تحسنًا نسبيًا، لكنه يظل محاصرًا بجملة من العوائق البنيوية.
فمنظومة النقل الداخلي والحديدي ما تزال تعاني من ضعف واضح، إلى جانب إشكالات متواصلة في الموارد المائية المخصصة لغسل الفسفاط، ما يجعل استمرارية الإنتاج رهينة عوامل لوجستية ومناخية وتنظيمية معقدة.
اختناقات التشغيل: نقل وماء وتمويل في قلب الأزمة
لا تقف التحديات عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى تفاصيل التشغيل اليومية، حيث برزت إشكالات مرتبطة بعدم انتظام التزود بمادة الأمونيتر، والنقص في المياه الصناعية، إضافة إلى محدودية التأطير وعدم ملاءمة جزء من الموارد البشرية مع حاجيات المؤسسة.
هذه العناصر مجتمعة تعكس أزمة منظومة أكثر من كونها أزمة ظرفية، وتضع أمام المؤسسة تحديًا مزدوجًا بين ضمان الاستمرارية وتحقيق الفاعلية الاقتصادية.
خطة إنقاذ عاجلة: تمويلات وإصلاحات لوقف النزيف
في مواجهة هذا الوضع، تقترح الشركات المعنية حزمة من الإجراءات الاستعجالية، في مقدمتها توفير خطوط تمويل لتغطية حاجيات الخزينة، وجدولة الديون، إلى جانب دعم التصدير لرفع الموارد الذاتية.
كما تشمل الإجراءات تأمين نقل الفسفاط على محور الرديف–قابس–الصخيرة، وتعزيز النقل الحديدي، إضافة إلى التصدي للربط العشوائي على قنوات المياه الصناعية، وضمان استمرارية التزود بمادة الأمونيتر مع بناء مخزون احتياطي.
إعادة هيكلة عميقة: محاولة لاسترجاع التوازن المالي
على مستوى أوسع، يرتكز برنامج إعادة الهيكلة على مراجعة القروض البنكية، ومعالجة ديون المزودين العموميين، وإنجاز أعمال صيانة ضرورية، إلى جانب تحسين جاهزية وحدات الإنتاج.
كما يكتسي مشروع “المظيلة 2” أهمية خاصة ضمن هذه الرؤية، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإعادة التوازن المالي وتحسين القدرة الإنتاجية واستعادة ثقة المؤسسات البنكية.




