وطنية

موجة الحر تغيّر ملامح الحياة في تطاوين.. الأهالي يعودون إلى البيوت الجبلية هربًا من القيظ

فرضت موجة الحر التي تجتاح ولاية تطاوين خلال الأيام الأخيرة واقعًا جديدًا على السكان، بعدما دفعت درجات الحرارة المرتفعة إلى تغيير نسق الحياة اليومية، حيث خلت الشوارع والأسواق من حركتها المعتادة خلال فترات النهار، فيما فضّل كثيرون البقاء داخل المنازل أو الاحتماء بالمقاهي والأماكن المظللة تفاديًا لأشعة الشمس الحارقة.

وبات الاعتماد على أجهزة التكييف والمراوح الكهربائية الخيار الأكثر شيوعًا للتخفيف من وطأة الحرارة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تجنب التنقل غير الضروري خلال ساعات الذروة حفاظًا على الصحة والسلامة.

البيوت الجبلية… حلول الأجداد تعود لمواجهة حرارة الصيف

وفي القرى الجبلية بتطاوين، استعادت المساكن التقليدية مكانتها كملاذ طبيعي للهروب من القيظ، حيث عادت العديد من العائلات إلى الإقامة داخل البيوت الجبلية المعروفة محليًا باسم “الغار” أو “إيرجي”، لما تتميز به من قدرة استثنائية على توفير درجات حرارة معتدلة دون الحاجة إلى وسائل تبريد حديثة.

ولا تزال مناطق شنني والدويرات وغمراسن تحتفظ بهذه المساكن التاريخية التي شيدها الأجداد منذ قرون داخل الجبال، مستفيدين من الخصائص الطبيعية للصخور ومواد البناء المحلية التي تضمن عزلاً حراريًا فعالًا ورطوبة متوازنة، ما يجعلها نموذجًا للهندسة التقليدية المتأقلمة مع المناخ الصحراوي.

كما تسهم هذه البيوت في الحد من استهلاك الكهرباء، وهو ما يمنحها أهمية إضافية في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف.

عمال البناء يغيّرون ساعات العمل لتفادي الإجهاد الحراري

ورغم الظروف المناخية القاسية، يواصل عمال حضائر البناء أداء مهامهم اليومية، مدفوعين بالالتزامات المعيشية ومتطلبات إعالة أسرهم، إلا أنهم اضطروا إلى تعديل توقيت العمل لتفادي ذروة الحرارة.

فقد أصبح الانطلاق في الأشغال يتم منذ الساعة الخامسة صباحًا بدلًا من السابعة، بما يسمح بإنجاز الجزء الأكبر من العمل خلال الساعات الأولى من النهار، قبل اشتداد درجات الحرارة.

كما يعتمد العمال على ارتداء الملابس الواقية، واستخدام المظلات، والإكثار من شرب المياه والسوائل، في محاولة للحد من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس التي تزداد احتمالاتها مع استمرار موجة الحر.

لقمة العيش أقوى من قسوة الطقس

ويؤكد عدد من العمال أن مواصلة العمل في مثل هذه الظروف ليست خيارًا بقدر ما هي ضرورة تفرضها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، مشيرين إلى أن الخوف من التعرض لضربة شمس أو الإرهاق الحراري يرافقهم يوميًا، إلا أن مسؤولياتهم تجاه عائلاتهم تدفعهم إلى مواصلة نشاطهم مع الالتزام بأقصى إجراءات الوقاية الممكنة.

وتجسد هذه المشاهد واقعًا تعيشه العديد من المناطق الداخلية في تونس، حيث تتقاطع التحديات المناخية مع الضغوط الاقتصادية، بينما تعود الحلول التقليدية التي ابتكرها الأجداد لتثبت مجددًا قدرتها على التكيف مع الظروف الطبيعية القاسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى