وطنية

السيارات الكهربائية والاقتصاد الدائري في تونس: حين لا تكفي “السيارة النظيفة” دون بنية تحتية نظيفة

الانتقال الكهربائي ليس سيارة فقط

تدخل تونس تدريجياً مرحلة جديدة من النقاش حول النقل والطاقة والبيئة: مرحلة السيارة الكهربائية. فبعد سنوات كان فيها حضور هذا النوع من السيارات رمزياً ومحدوداً، بدأت المؤشرات تتغير مع ظهور حوافز جبائية، دخول علامات جديدة، ارتفاع نسبي في التوريد، وتزايد الخطاب الرسمي حول الانتقال الطاقي. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بعدد السيارات الكهربائية وحده، بل بمدى جاهزية المنظومة التي ستستقبلها: شبكة الشحن، قدرة الكهرباء، مصدر الطاقة، صيانة البطاريات، إعادة التدوير، والتعامل مع النفايات التقنية الجديدة.

فالسيارة الكهربائية ليست “حلاً أخضر” بذاتها إذا أُدخلت إلى بلد لا يملك شبكة شحن منظمة، ولا كهرباء نظيفة بما يكفي، ولا نظاماً واضحاً لجمع البطاريات المستعملة، ولا صناعة تدوير قادرة على استرجاع الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس والألمنيوم. إنها تصبح عندئذ انتقالاً ناقصاً: نخفف التلوث في الشارع، لكن ننقل جزءاً منه إلى محطات الكهرباء، المناجم، النفايات، والبطاريات في نهاية عمرها.

من هنا، لا ينبغي أن يُطرح ملف السيارات الكهربائية في تونس كملف تجاري أو جبائي فقط، بل كسياسة عمومية متكاملة تربط بين النقل، الطاقة، البيئة، النفايات، الصناعة، والتدوير. فالمسألة لا تتعلق فقط باستيراد سيارات كهربائية، بل ببناء اقتصاد دائري قادر على التعامل مع كل دورة حياة السيارة: من الشراء، إلى الشحن، إلى الاستعمال، إلى البطارية، إلى إعادة التدوير أو إعادة الاستخدام.

أولاً: سوق كهربائية ناشئة لكنها تتحرك

ما زال سوق السيارات الكهربائية في تونس صغيراً مقارنة بالأسواق الأوروبية أو الآسيوية، لكنه لم يعد غائباً. تشير المعطيات المنشورة إلى أن السوق الرسمي سجل 539 سيارة كهربائية مرسمة في سنة 2025، مع هيمنة واضحة لبعض العلامات الصينية مثل BYD التي سجلت 178 سيارة كهربائية، أي حوالي ثلث المبيعات الكهربائية الرسمية لذلك العام. كما أن معطيات أخرى تحدثت عن 398 سيارة كهربائية مباعة إلى حدود نهاية أكتوبر 2025، وهو ما يعكس اختلافاً بين أرقام جزئية وأرقام سنوية، لكنه يؤكد في كل الحالات أن السوق ما زال محدوداً جداً.

رغم صغر الأرقام، فإن الاتجاه العام يشير إلى رغبة رسمية في توسيع السوق. فقد تحدثت تصريحات منسوبة إلى مدير عام الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة عن هدف بلوغ 50 ألف سيارة كهربائية و5 آلاف نقطة شحن و50 ميغاواط قدرة شحن مركبة بحلول سنة 2030، مقابل 500 سيارة و500 نقطة شحن و5 ميغاواط في سنة 2025. كما تم الإعلان عن تخفيض الأداء على القيمة المضافة للسيارات الكهربائية من 19% إلى 7%، وتخفيضات في معاليم التسجيل والجولان، وهي أدوات جبائية هدفها تقليل كلفة الدخول إلى السوق.

لكن هذه الأرقام تطرح سؤالاً أولياً: هل نحن أمام نمو طبيعي ومدروس، أم أمام سياسة تحفيز للاستيراد تسبق جاهزية البنية التحتية؟ الانتقال الكهربائي لا يقاس فقط بعدد السيارات التي تدخل السوق، بل بعدد نقاط الشحن الفعلية، توزيعها الجغرافي، قدرة الشبكة، شفافية الأسعار، سلامة التجهيزات، وخطة التعامل مع البطاريات المستعملة بعد عشر سنوات.

ثانياً: الفجوة بين هدف 2030 والواقع الحالي

الهدف المعلن، أي 50 ألف سيارة كهربائية و5 آلاف نقطة شحن في 2030، يعني عملياً الانتقال من بضع مئات من السيارات اليوم إلى عشرات الآلاف خلال سنوات قليلة. فإذا كان السوق الرسمي سجل حوالي 539 سيارة كهربائية في 2025، فإن الوصول إلى 50 ألف سيارة يتطلب نمواً تراكمياً كبيراً جداً، ليس في الطلب فقط، بل في التمويل، التوريد، الصيانة، البنية الكهربائية، والتكوين التقني.

المشكلة ليست في الطموح، بل في ترتيب الأولويات. إذا سبق دخول السيارات بناء شبكة الشحن، سيتحول المستهلك إلى رهينة القلق من نفاد البطارية. وإذا سبقت نقاط الشحن الطلب الحقيقي، قد تتحول الاستثمارات إلى بنية شبه معطلة. وإذا تم تحفيز الشراء دون تنظيم البطاريات المستعملة، سنؤجل الأزمة البيئية عشر سنوات فقط، ثم نجد أنفسنا أمام نفايات عالية الخطورة والقيمة في الوقت نفسه.

تونس تحتاج إذن إلى مسار نمو متوازن: عدد السيارات يجب أن ينمو بالتوازي مع نقاط الشحن، ونقاط الشحن يجب أن تنمو بالتوازي مع قدرة الشبكة، وقدرة الشبكة يجب أن تنمو بالتوازي مع الطاقات المتجددة، وكل ذلك يجب أن يكون مربوطاً منذ البداية بمنظومة تدوير البطاريات والنفايات التقنية.

ثالثاً: هل شبكة الشحن جاهزة؟

أحد أهم عناصر الانتقال الكهربائي هو توفر نقاط شحن آمنة، موزعة، واضحة السعر، وخاضعة لمعايير تقنية. في تونس، تم الإعلان عن خطط لتركيز نقاط شحن بالتعاون بين AGIL وSTEG، كما أعلن مدير عام الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة عن التوجه نحو تنظيم القطاع عبر كراس شروط جديد يسمح للمؤسسات والشباب المستثمرين بدخول مجال الشحن. كما وردت أرقام مختلفة حول البنية التحتية، من بينها خطة لتركيز 160 نقطة شحن إلى حدود 2025، وأهداف أوسع تتحدث عن 500 نقطة شحن في 2025 و5 آلاف في 2030.

هذا التباين في الأرقام ليس تفصيلاً. إنه يكشف الحاجة إلى سجل وطني شفاف لنقاط الشحن يحدد: عددها الحقيقي، مواقعها، قدرتها، حالتها التشغيلية، نوع التيار، السعر، نسبة الأعطال، ومن يشغلها. فلا يكفي أن نقول إن هناك 500 نقطة شحن إذا كان جزء منها غير متاح، أو بطيئاً جداً، أو متركزاً في العاصمة والساحل، أو غير ظاهر للمستخدمين عبر تطبيق موحد.

كما أن كلفة الاستثمار ليست بسيطة. فقد ورد أن نقطة شحن بقدرة 22 كيلوواط قد لا تتجاوز كلفتها 20 ألف دينار، بينما يمكن أن تصل كلفة نقطة شحن سريعة بقدرة 100 كيلوواط إلى حوالي 400 ألف دينار. هذا الفارق الضخم يعني أن الدولة يجب أن تميز بين الشحن البطيء أو المتوسط في المنازل والمؤسسات ومواقف السيارات، والشحن السريع على الطرقات والمناطق الاستراتيجية.

لذلك، لا يجب بناء شبكة الشحن بمنطق التوزيع الرمزي، بل بمنطق خرائط الطلب. نقاط الشحن يجب أن توضع حسب كثافة السيارات، محاور السفر، المناطق السياحية، الإدارات، الجامعات، المناطق الصناعية، ومواقف السيارات الكبرى. كما يجب أن تكون مرتبطة بتطبيق وطني أو واجهة بيانات مفتوحة تسمح للسائق بمعرفة الموقع، القدرة، السعر، والحالة التشغيلية في الوقت الحقيقي.

رابعاً: الكهرباء التي تشحن السيارة: هل هي نظيفة فعلاً؟

السيارة الكهربائية لا تصدر عوادم في الشارع، لكنها لا تلغي الانبعاثات إذا كانت الكهرباء التي تشحنها منتجة أساساً من الغاز أو الوقود الأحفوري. في تونس، ما زال mix électrique معتمداً بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، رغم وجود هدف وطني لرفع حصة الطاقات المتجددة. وتشير معطيات وزارة الصناعة والطاقة إلى أن إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بلغ حوالي 5% في سنة 2024، وهي نسبة ما زالت محدودة إذا أردنا أن تصبح السيارة الكهربائية جزءاً فعلياً من سياسة مناخية لا مجرد استبدال تكنولوجي.

هذا لا يعني أن السيارة الكهربائية بلا فائدة في تونس. فهي تقلل التلوث المحلي داخل المدن، تخفض الضجيج، وتستفيد من كفاءة المحرك الكهربائي الأعلى مقارنة بمحرك الاحتراق الداخلي. لكن فائدتها المناخية الكبرى تصبح أقوى كلما أصبحت الكهرباء أنظف. لذلك يجب ألا يُفصل برنامج السيارات الكهربائية عن برنامج الطاقات المتجددة.

الهدف الرسمي التونسي هو بلوغ 35% من الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية بحلول 2030، مقابل مستويات حالية منخفضة. ويشير البنك الدولي إلى أن تونس تستهدف 35% من الطاقة المتجددة في قدرة النظام الكهربائي بحلول 2030، انطلاقاً من حوالي 3% في الفترة التي عرضها التقرير.

بعبارة أخرى: السيارة الكهربائية تحتاج إلى شمس تونس بقدر حاجتها إلى بطاريتها. وإذا لم تُربط محطات الشحن تدريجياً بالطاقة الشمسية، خصوصاً في الإدارات والمراكز التجارية ومحطات الطرقات والمناطق الصناعية، فإن جزءاً من “النقل النظيف” سيبقى معتمداً على كهرباء منتجة من الوقود الأحفوري.

خامساً: البطارية ليست تفصيلاً بل قلب المشكلة البيئية

البطارية هي أغلى وأثقل وأعقد مكون في السيارة الكهربائية. وهي ليست مجرد صندوق طاقة، بل منتج صناعي يحتوي على معادن استراتيجية مثل الليثيوم، النيكل، الكوبالت، المنغنيز، النحاس، الألمنيوم، الغرافيت، وأحياناً الفوسفات والحديد حسب نوع الكيمياء المستعملة. لذلك فإن نهاية عمر البطارية لا يجب أن تُعامل كنفاية عادية، بل كمنجم حضري عالي القيمة والخطورة.

عالمياً، تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن معظم بطاريات السيارات الكهربائية المنتشرة اليوم ما زالت في الخدمة، وأن موجة البطاريات في نهاية العمر ستصبح أكبر بعد منتصف الثلاثينيات. كما تشير الوكالة إلى أن إعادة تدوير البطاريات يمكن أن تغطي 20% إلى 30% من الطلب على الليثيوم والنيكل والكوبالت بحلول 2050 إذا تحسنت نسب الجمع والاسترجاع.

هذا الدرس مهم لتونس. عدد السيارات الكهربائية اليوم صغير، ولذلك قد يبدو ملف البطاريات المستعملة غير مستعجل. لكن هذا هو بالضبط وقت بناء المنظومة. فمن ينتظر حتى تتراكم البطاريات التالفة سيكتشف أن المعالجة تحتاج قوانين، مستودعات آمنة، خبراء، تجهيزات، إجراءات نقل، تتبع رقمي، واتفاقيات مع مصنّعين أو مراكز تدوير.

البطارية المستعملة قد تكون خطراً إذا تُركت دون رقابة، لكنها قيمة اقتصادية إذا أُديرت جيداً. يمكن فحصها، إعادة استعمالها في تطبيقات تخزين طاقة ثابتة، أو تفكيكها واسترجاع معادنها. لذلك يجب أن تكون كل سيارة كهربائية مستوردة مرتبطة منذ لحظة دخولها إلى تونس بـ “جواز بطارية” يحدد نوعها، سعتها، كيمياءها، رقمها، تاريخها، ومالكها، حتى يمكن تتبعها في نهاية العمر.

سادساً: تونس تحتاج إلى مسؤولية ممتدة للمنتج

لا يمكن أن تُترك البطاريات المستعملة للمواطن أو الميكانيكي أو القطاع العشوائي. يجب أن تعتمد تونس مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج أو المورد. كل من يورد أو يبيع سيارة كهربائية يجب أن يكون مسؤولاً عن مسار بطاريتها في نهاية العمر، إما مباشرة أو عبر منظومة وطنية ممولة مسبقاً.

يمكن أن تُفرض مساهمة بيئية على كل سيارة كهربائية أو بطارية مستوردة، لا بهدف تعقيد السوق، بل لتمويل جمع البطاريات، تخزينها الآمن، فحصها، نقلها، إعادة استخدامها، أو إرسالها إلى مراكز تدوير معتمدة داخل تونس أو خارجها. كما يجب أن يُمنع تفكيك البطاريات عالية الجهد خارج مراكز مرخصة، لأن التعامل معها دون معرفة قد يؤدي إلى صعق كهربائي، حرائق، تسربات كيميائية، أو تلوث معدني.

في أوروبا، أصبحت القواعد تتجه نحو أهداف دقيقة لاسترجاع المواد. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية أهدافاً لاسترجاع 90% من الكوبالت والنحاس والرصاص والنيكل و50% من الليثيوم بحلول نهاية 2027، ثم رفعها إلى 95% للكوبالت والنحاس والرصاص والنيكل و80% لليثيوم بحلول نهاية 2031. هذه الأرقام يجب أن تكون مرجعاً لتونس، حتى لو بدأت بمنظومة أبسط وأقل كلفة.

سابعاً: الخطر البيئي لا يبدأ من البطارية فقط

من الخطأ اختزال النقاش البيئي في البطاريات. السيارة الكهربائية جزء من سلسلة أوسع: استخراج المعادن، تصنيع البطارية، نقل السيارة، مصدر الكهرباء، صيانة المركبة، الإطارات، الفرامل، البلاستيك، الإلكترونيات، ثم نهاية العمر. ولذلك يجب تقييمها بمنطق دورة الحياة، لا بمنطق العادم فقط.

تشير أدوات وتقارير دولية إلى أن الانبعاثات على كامل دورة الحياة تختلف حسب حجم السيارة، نوع البطارية، ومصدر الكهرباء. كما يوضح التحليل الأوروبي الحديث أن السيارات الكهربائية بالبطارية يمكن أن تخفض انبعاثات دورة الحياة بشكل كبير مقارنة بسيارات البنزين، لكن هذا الفارق يرتبط بقوة بنظافة الكهرباء وبإدارة البطارية والتدوير.

بالنسبة لتونس، هذا يعني أن السيارة الكهربائية يمكن أن تكون خطوة إيجابية، لكنها ليست سياسة بيئية كاملة. السياسة الكاملة هي: سيارة أصغر وأخف، كهرباء أنظف، شحن ذكي، بطارية قابلة للتتبع، تدوير منظم، وتشجيع النقل الجماعي والكهربائي في الوقت نفسه. أما تحويل السيارات الكهربائية إلى مجرد استهلاك فردي جديد، دون تخطيط، فقد يخلق طبقة جديدة من المشاكل البيئية بدل حل القديمة.

ثامناً: من السيارة الكهربائية إلى سؤال أوسع: ماذا نفعل بنفاياتنا؟

يفتح ملف البطاريات سؤالاً أكبر بكثير: لماذا لا تستغل تونس نفاياتها؟ إذا كنا لا نملك إلى اليوم منظومة قوية لتدوير البلاستيك والزجاج والمعادن والورق، فكيف سنعالج غداً بطاريات الليثيوم عالية الجهد؟ وإذا كنا نطمر معظم النفايات المنزلية في المصبات، فكيف سنبني اقتصاداً دائرياً حول سيارة كهربائية معقدة؟

تنتج تونس حوالي 2.8 مليون طن من النفايات المنزلية سنوياً، وتمثل النفايات البلاستيكية حوالي 9.4% منها. وتشير بيانات منشورة حول قطاع النفايات إلى أن 8% فقط من النفايات المنزلية تم تدويرها في 2023، بينما دُفن نحو 70% في المصبات، وذهب حوالي 20% إلى الطبيعة.

هذه الأرقام قاسية. معناها أن تونس لا تخسر بيئتها فقط، بل تخسر مادة أولية. البلاستيك، الزجاج، الورق، المعادن، الألمنيوم، النحاس، البطاريات، النفايات الإلكترونية، وحتى النفايات العضوية يمكن أن تكون مدخلاً لصناعات تدوير، سماد، طاقة حيوية، مواد بناء، أو مواد خام ثانوية. لكن عندما تُخلط كلها في نفس الحاوية ثم تُدفن، تتحول القيمة إلى كلفة، والفرصة إلى أزمة.

تاسعاً: البلاستيك مثال واضح على ضياع القيمة

البلاستيك أحد أكثر الملفات وضوحاً. تشير معطيات منشورة إلى أن تونس تنتج ملايين الأطنان من النفايات، وأن البلاستيك يمثل 9.4% من النفايات المنزلية. كما تشير دراسات حول البلاستيك في تونس إلى استهلاك أكثر من مليار كيس بلاستيكي سنوياً، مع عدم جمع أو تدوير نحو 80% منها.

هذا يعني أن المشكلة ليست في غياب المادة القابلة للتدوير، بل في غياب النظام: فرز من المصدر، نقاط جمع، حوافز مالية، مصانع تحويل، رقابة على الجودة، وأسواق للمواد المعاد تدويرها. منظومة Eco-Lef مثلاً كانت محاولة لتنظيم جمع وتثمين مواد التغليف، لكن القطاع بقي هشاً ومعتمداً بدرجة كبيرة على القطاع غير الرسمي، خصوصاً “البرباشة” والجامعين غير المهيكلين.

إن بناء سياسة للسيارات الكهربائية دون إصلاح منظومة النفايات البلاستيكية والمعدنية والزجاجية سيكون تناقضاً. لأن البلد الذي لا يسترجع قارورة بلاستيكية أو علبة ألمنيوم بطريقة منظمة سيجد صعوبة أكبر في استرجاع بطارية سيارة كهربائية.

عاشراً: الزجاج والمعادن: مواد لا يجب أن تُدفن

الزجاج من أكثر المواد قابلية لإعادة التدوير، ويمكن إعادة صهره مرات متعددة إذا تم جمعه وفرزه بطريقة صحيحة. المعادن كذلك، خاصة الألمنيوم والنحاس والحديد، تملك قيمة اقتصادية مباشرة ويمكن أن تغذي صناعات محلية. لكن المشكلة في تونس ليست فقط في وجود مصانع أو عدمها، بل في غياب الفصل من المصدر وغياب سلاسل تجميع مستقرة.

عندما يُخلط الزجاج مع النفايات العضوية والبلاستيك، تنخفض قيمته ويصبح جمعه مكلفاً وخطراً. وعندما تُترك المعادن للقطاع غير الرسمي وحده، تتحقق بعض عمليات الاسترجاع، لكنها تبقى غير شفافة وغير كافية وغير مدمجة في سياسة صناعية وطنية. لذلك يجب أن يكون الإصلاح من الحاوية الأولى، لا من المصنع الأخير.

تحتاج تونس إلى نظام وطني للفرز بثلاث أو أربع حاويات واضحة: عضوي، قابل للتدوير، زجاج، ونفايات خطرة أو إلكترونية. كما تحتاج إلى نقاط تجميع بلدية للبطاريات الصغيرة، الأجهزة الإلكترونية، الزيوت، المصابيح، والنفايات الخاصة. بدون هذه البنية القاعدية، سيبقى الحديث عن الاقتصاد الدائري خطاباً جميلاً فوق واقع طمر عشوائي أو شبه عشوائي.

حادي عشر: النفايات الإلكترونية والبطاريات الصغيرة إنذار مبكر

قبل بطاريات السيارات الكهربائية، توجد بطاريات الهواتف، الحواسيب، الأجهزة المنزلية، المصابيح، الشواحن، اللوحات الإلكترونية، والطابعات. عالمياً، وصل حجم النفايات الإلكترونية إلى 62 مليون طن في 2022، بينما لم يتم توثيق جمع وإعادة تدوير إلا 22.3% منها، ومن المتوقع أن تنخفض النسبة إلى 20% بحلول 2030 إذا استمر النمو أسرع من قدرة التدوير.

هذا الدرس العالمي يجب أن يؤخذ بجدية في تونس. النفايات الإلكترونية تحتوي على معادن ثمينة وخطرة في الوقت نفسه: نحاس، ذهب، فضة، ألمنيوم، بلاستيك، رصاص، زئبق، وكادميوم. وإذا عجزت الدولة عن تنظيم هذا التدفق، فإن بطاريات السيارات الكهربائية ستضيف طبقة جديدة أكثر تعقيداً.

لذلك يجب ربط سياسة السيارات الكهربائية بسياسة وطنية للنفايات الإلكترونية والبطاريات بجميع أحجامها. لا معنى لجمع بطارية سيارة كهربائية بعد عشر سنوات إذا كانت البلاد اليوم لا تجمع بشكل منظم بطاريات الحواسيب والهواتف والأجهزة المنزلية.

ثاني عشر: البنية المطلوبة: من مصب نفايات إلى اقتصاد تدوير

لا يمكن إصلاح الوضع عبر قرار واحد. المطلوب هو تغيير فلسفة إدارة النفايات. النظام الحالي في جزء كبير منه يقوم على الجمع والنقل والطمر. أما النظام المطلوب فيقوم على تقليل النفايات، فرزها، تثمينها، تدويرها، ثم طمر الباقي فقط.

تونس تحتاج إلى خمس طبقات مترابطة:

أولاً، فرز من المصدر في المنازل والمؤسسات والإدارات والمدارس والمطاعم والفنادق. ثانياً، حوافز مالية تجعل المواطن والمؤسسة ترى في الفرز منفعة لا واجباً أخلاقياً فقط. ثالثاً، نقاط تجميع ومراكز فرز محلية. رابعاً، مصانع تحويل وتدوير قادرة على معالجة البلاستيك والزجاج والمعادن والورق والعضوي. خامساً، نظام تتبع رقمي للنفايات الخاصة مثل البطاريات والزيوت والإلكترونيات.

استراتيجية تونسية رسمية حول الإدارة الدائرية للنفايات تشير إلى تعميم الفرز الانتقائي، تطوير إعادة الاستخدام والتثمين والتدوير، والاتجاه نحو صفر نفايات في أفق 2050. كما تتحدث عن أولوية الفرز والتدوير والتثمين وإعادة إدماج النفايات في الاقتصاد.

لكن الفجوة الأساسية هي بين الاستراتيجية والتنفيذ. فالسياسات البيئية لا تنجح بالوثائق فقط، بل بالشاحنات، الحاويات، الأسعار، المصانع، الرقابة، والبيانات.

ثالث عشر: كيف نربط السيارات الكهربائية بالاقتصاد الدائري؟

الحل ليس رفض السيارات الكهربائية، بل إدخالها داخل منظومة أذكى. كل سيارة كهربائية تدخل تونس يجب أن تكون جزءاً من سجل وطني للبطاريات. كل مورد أو وكيل يجب أن يساهم في صندوق تدوير. كل مركز صيانة يجب أن يحصل على تكوين في السلامة الكهربائية. كل بطارية تالفة يجب أن تمر عبر قناة مرخصة. وكل نقطة شحن يجب أن تكون قابلة للربط مستقبلاً بالطاقة الشمسية أو بإدارة ذكية للطلب.

يمكن إنشاء “منصة وطنية للبطاريات والتنقل الكهربائي” تربط بين الديوانة، الوكالة الفنية للنقل البري، وزارة البيئة، وزارة الطاقة، البلديات، الموردين، ومراكز الصيانة. هذه المنصة لا تسجل السيارة فقط، بل تسجل البطارية: رقمها، سعتها، نوعها، عمرها، حالتها، عمليات صيانتها، ووجهتها في نهاية العمر.

كما يمكن اعتماد نموذج “بطارية كمسؤولية” لا “بطارية كنفاية”. عند البيع، يعرف المستهلك أن جزءاً من السعر يمول نهاية عمر البطارية. وعند الاستبدال، يعرف المركز أين يرسل البطارية. وعند نهاية العمر، تعرف الدولة هل ستذهب البطارية إلى إعادة استعمال في تخزين ثابت، أم إلى تفكيك، أم إلى تصدير نحو مركز تدوير معتمد.

رابع عشر: الشحن الذكي والطاقة الشمسية

إذا أرادت تونس أن تجعل السيارة الكهربائية جزءاً من الحل لا جزءاً من الضغط الكهربائي، فعليها أن تتجه نحو الشحن الذكي. لا يجب أن تشحن آلاف السيارات في نفس ساعات الذروة. يجب توجيه الشحن إلى أوقات انخفاض الطلب، وربطه تدريجياً بالطاقة الشمسية في النهار، خاصة في الإدارات ومواقف السيارات والمؤسسات الكبرى.

يمكن أن تكون محطات الشحن في الوزارات، الجامعات، المستشفيات، البلديات، المناطق الصناعية، والمراكز التجارية مرتبطة بألواح شمسية فوق مواقف السيارات. وهذا لا يوفر الكهرباء فقط، بل يوفر الظل ويقلل الحرارة ويجعل البنية التحتية أكثر منطقية في بلد شمسي مثل تونس.

السيارة الكهربائية لا تحتاج فقط إلى borne de recharge، بل إلى borne de recharge intelligente : تعرف وقت الشحن، القدرة المتاحة، سعر الكهرباء، حالة الشبكة، ومصدر الطاقة. وإذا تم بناء نقاط شحن عشوائية دون إدارة ذكية، فقد تتحول إلى ضغط جديد على شبكة كهربائية ما زالت في طور الانتقال.

خامس عشر: من سياسة سيارات إلى سياسة موارد

أعمق درس في ملف السيارات الكهربائية هو أن العالم ينتقل من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المعادن. السيارة الكهربائية تقلل الاعتماد على الوقود، لكنها تزيد أهمية الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والغرافيت والألمنيوم. ومن لا يملك مناجم هذه المعادن يجب أن يتعلم كيف يسترجعها من المنتجات المستعملة.

هذا هو جوهر الاقتصاد الدائري: النفايات ليست نهاية دورة الاستهلاك، بل بداية دورة إنتاج جديدة. قارورة البلاستيك، علبة الألمنيوم، زجاجة المشروب، بطارية الهاتف، حاسوب قديم، محرك كهربائي، بطارية سيارة، كلها مواد خام ثانوية. المشكلة ليست أن تونس فقيرة في الموارد، بل أنها لا تستغل بما يكفي الموارد التي ترميها يومياً.

إذا كانت تونس تنتج 2.8 مليون طن من النفايات المنزلية سنوياً وتعيد تدوير نسبة محدودة منها، فإن خسارتها ليست بيئية فقط، بل صناعية ومالية. كل طن يُدفن هو طن خرج من الاقتصاد. وكل مادة قابلة للتدوير تُرمى هي فرصة ضائعة للتشغيل، الاستثمار، وتقليل الواردات.

خاتمة: السيارة الكهربائية اختبار لقدرة تونس على التفكير الدائري

السيارة الكهربائية في تونس ليست مجرد منتج جديد في السوق. إنها اختبار لقدرة الدولة على التخطيط المسبق. هل نستورد التكنولوجيا ثم نبحث لاحقاً عن حلول لمشكلاتها؟ أم نبني من البداية منظومة شحن، طاقة، صيانة، بطاريات، وتدوير؟

إذا دخلت السيارة الكهربائية إلى تونس دون شبكة شحن كافية، ستفقد ثقة المستهلك. وإذا شُحنت بكهرباء يغلب عليها الغاز، ستبقى فائدتها المناخية ناقصة. وإذا لم تُتبع بطارياتها منذ اليوم الأول، ستصبح بعد سنوات نفايات خطرة ومكلفة. وإذا ظلت البلاد تدفن البلاستيك والزجاج والمعادن والعضوي، فلن يكون الحديث عن اقتصاد أخضر أكثر من شعار.

المطلوب ليس أن نرفض السيارة الكهربائية، بل أن نرفض الانتقال الناقص. تونس تحتاج إلى سياسة موحدة تربط بين السيارة الكهربائية والطاقات المتجددة، بين نقاط الشحن والشبكة الذكية، بين البطاريات والمسؤولية الممتدة للمنتج، بين النفايات والمواد الخام، وبين البيئة والصناعة.

فالسيارة النظيفة لا تكون نظيفة حقاً إلا إذا دخلت في منظومة نظيفة. والمنظومة النظيفة لا تبدأ من الطريق، بل من طريقة تفكير الدولة في الموارد: ما يدخل السوق يجب أن تكون له نهاية عمر واضحة، وما يخرج من الاستهلاك يجب ألا يذهب مباشرة إلى المصب، بل إلى دورة جديدة من القيمة.

إن مستقبل السيارات الكهربائية في تونس لن يُحسم بعدد السيارات المستوردة فقط، بل بالسؤال الأعمق: هل ستنجح تونس في تحويل الانتقال الكهربائي إلى بوابة نحو اقتصاد دائري، أم ستضيف تكنولوجيا جديدة إلى نظام نفايات قديم؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى