الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي: تقرير البنك المركزي التونسي لعام 2025 يكشف هشاشة الاقتصاد ويثير تساؤلات حول فعالية السياسة النقدية

اعتبر الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي أن التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025 يعكس بوضوح حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن الأرقام الواردة في التقرير تكشف عن اختلالات هيكلية متواصلة في السياسة النقدية، واستمرار الضغوط التضخمية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، رغم ارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي.
وفي قراءة تحليلية للتقرير، يرى بن بوهالي أن البنك المركزي لم يحدد هدفاً رقمياً واضحاً لمعدل التضخم، رغم أن استقرار الأسعار يمثل المهمة الأساسية لأي بنك مركزي. ويقارن ذلك بالممارسات المتبعة لدى البنوك المركزية الكبرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، اللذين يعتمدان مستهدفاً معلناً للتضخم يبلغ 2%، بما يعزز وضوح السياسة النقدية وثقة الأسواق.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن التقرير تضمن، لأول مرة، إقراراً ضمنياً بأن التضخم النقدي تجاوز مستوى 8% سنوياً، استناداً إلى نمو الكتلة النقدية بنسبة 10.5% مقابل نمو اقتصادي لم يتجاوز 2.5%. ويؤكد أن هذه المعطيات تتوافق مع التحذيرات التي سبق أن طرحها خلال العامين الماضيين بشأن الآثار التضخمية للتوسع النقدي.
تمويل العجز… مكاسب محدودة وتكلفة مرتفعة
ويرى العربي بن بوهالي أن لجوء البنك المركزي إلى تمويل الحكومة عبر ضخ نحو 14 مليار دينار في الاقتصاد لم يحقق الأهداف الاقتصادية المرجوة، بل أدى إلى زيادة الدين العمومي، والإبقاء على مستويات مرتفعة من التضخم، دون أن ينعكس ذلك في شكل نمو اقتصادي مستدام أو تحسن ملموس في الإنتاجية.
وبحسب تحليله، فإن هذه السياسة ساهمت في نشوء ما يعرف بـ”الاقتصاد ذي السرعتين”، حيث حققت الأسواق المالية أداءً قوياً، إذ ارتفعت بورصة تونس بنحو 31% خلال عام 2025، بينما ظل الاقتصاد الحقيقي يسجل أحد أضعف معدلات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عند 2.5%.
ويحذر بن بوهالي من أن استمرار هذا التباين من شأنه أن يعمق الفوارق الاجتماعية، مع زيادة ثروات أصحاب الأصول المالية مقابل تراجع القدرة الشرائية للفئات ذات الدخل المحدود، في ظل ارتفاع معدلات الفقر واتساع فجوة الدخل.
السياسة النقدية تواجه حدودها
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن فعالية السياسة النقدية أصبحت محدودة بسبب اتساع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يمثل نحو 40% من النشاط الاقتصادي، إضافة إلى أن نحو 65% من التونسيين لا يمتلكون حسابات مصرفية، وهو ما يضعف قدرة البنك المركزي على التأثير في الدورة الاقتصادية عبر أدواته التقليدية.
وفي هذا السياق، يدعو إلى اعتماد استراتيجية وطنية للشمول المالي، ترتكز على توسيع خدمات الصيرفة الرقمية عبر البنوك العمومية، بما يسمح بإدماج ملايين المواطنين في النظام المصرفي واستقطاب ما يقارب 29 مليار دينار من السيولة المتداولة خارج البنوك.
ويرى أن هذه الخطوة ستوفر للدولة موارد ضريبية إضافية، وتخفف الحاجة إلى التمويل النقدي لعجز الميزانية، كما ستتيح للقطاع المصرفي توجيه موارد أكبر نحو تمويل الاستثمار الخاص وتحفيز النمو الاقتصادي.
مؤشرات مقلقة
ويتوقف العربي بن بوهالي عند عدد من المؤشرات التي يعتبرها مقلقة، من بينها استمرار معدل البطالة عند 15.2%، وبلوغ بطالة الشباب 38.4%، إلى جانب ارتفاع التضخم في أسعار المواد الغذائية، وتراجع معدل الادخار إلى 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي إلى مستوى يغطي 106 أيام فقط من الواردات.
كما يشير إلى أن القروض المتعثرة في القطاع المصرفي بلغت أكثر من 18 مليار دينار، أي ما يعادل 22.6% من إجمالي القروض، وهو مستوى يراه مرتفعاً مقارنة بالمعايير الدولية، ويعكس الضغوط التي تواجهها المنظومة البنكية.
نمو اقتصادي دون خلق ثروة
وبحسب قراءة بن بوهالي، فإن الاقتصاد التونسي سجل نمواً تراكمياً بلغ 11.27% خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، في حين ارتفع الدين الحكومي بأكثر من 41% خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، نموذجاً اقتصادياً قائماً على زيادة المديونية دون تحقيق مكاسب إنتاجية موازية.
ويضيف أن محركات النمو لم تتغير خلال السنوات الأخيرة، إذ لا يزال الاقتصاد يعتمد بشكل رئيسي على الاستهلاك المحلي والزراعة والسياحة، بينما يواصل قطاع التصدير تسجيل أداء ضعيف، بما يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
دعوة إلى إصلاحات هيكلية
ويخلص الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي إلى أن التقرير السنوي للبنك المركزي يكشف الحاجة إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والنقدية، بما يعزز استقلالية البنك المركزي ويرفع كفاءة أدواته في مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار.
كما يدعو إلى تسريع إصلاحات الشمول المالي، وإدماج الاقتصاد الموازي، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل المدخل الأساسي لاستعادة النمو، وتعزيز قيمة الدينار، والحد من الضغوط التضخمية، وتحقيق تنمية اقتصادية أكثر استدامة.
ويؤكد بن بوهالي أن استمرار الاعتماد على التوسع في الاقتراض وتمويل العجز لن يؤدي، في تقديره، إلا إلى تعميق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، ما لم تُعتمد إصلاحات هيكلية تضع الإنتاج والاستثمار في صلب السياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.



