بعد أن هدأت ألسنة اللهب… معركة إنقاذ الغابات التونسية تبدأ من جديد
4400 هكتار احترقت والرهان الآن على إعادة بناء منظومة بيئية كاملة

لم تنتهِ أزمة الحرائق في تونس بمجرد تراجع ألسنة اللهب، فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد انطفاء النيران، عندما تنطلق عملية طويلة ومعقدة لإعادة الحياة إلى الغابات التي فقدت جزءاً من غطائها النباتي وثروتها البيئية. فالأرقام الأولية تكشف حجم التحدي: نحو 4400 هكتار من الغابات أتت عليها الحرائق إلى حد الآن، دون احتساب المساحات التي ما تزال تحت تأثير النيران، خاصة في ولاية الكاف.
وأكد المدير العام للغابات بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري محمد نوفل بن حاحا أن الأولوية الحالية تتمثل في السيطرة النهائية على الحرائق وحماية الملك الغابي، قبل المرور إلى مرحلة التقييم وإعادة التأهيل التي تتطلب تخطيطاً دقيقاً وإمكانيات كبيرة.
من جبل الشهدة إلى غار الملح… خريطة الأضرار تكشف حجم الخسائر
كانت غابة جبل الشهدة بولاية زغوان من أكثر المناطق تضرراً، حيث التهمت النيران حوالي 905 هكتارات، لتحتل المرتبة الأولى من حيث حجم المساحات المتضررة، تليها منطقة كاب نيقرو بولاية باجة وغار الملح بولاية بنزرت، حيث بلغت المساحات المحترقة في كل منهما نحو 300 هكتار.
وأوضح بن حاحا أن حرائق باجة وغار الملح دخلت مرحلة التبريد والمراقبة، نافياً استمرار الحريق في غار الملح خلافاً لما تم تداوله في بعض الصفحات، مشيراً إلى أن فرق الغابات والحماية المدنية تواصل متابعة الوضع على مدار الساعة لتجنب أي عودة محتملة للنيران.
أما في ولاية الكاف، فما تزال الجهود متواصلة لمواجهة الحريق الذي استنفر مختلف المتدخلين، من أعوان الغابات والحماية المدنية إلى وحدات الحرس والجيش الوطنيين ووزارة التجهيز، مع إمكانية الاستعانة بالطائرات العسكرية عند الحاجة.
الخطر لا يتوقف عند الأشجار… النظام البيئي كله مهدد
تكشف الحرائق أن الخسارة لا تقاس فقط بعدد الأشجار التي احترقت، بل بمدى الضرر الذي يلحق بمنظومة بيئية متكاملة تضم النباتات والحيوانات والتربة والأنشطة المرتبطة بالغابة.
وأوضح المدير العام للغابات أن فقدان الغطاء النباتي يفتح الباب أمام مشاكل أخرى خلال فصل الشتاء، أبرزها انجراف التربة وتراكم الأتربة التي قد تؤدي إلى غلق الطرقات والإضرار بالمناطق السكنية القريبة من الغابات.
كما تؤثر الحرائق بشكل مباشر على التنوع البيولوجي وعلى الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالمناطق الغابية، ومنها موسم الصيد، ما يجعل إعادة تأهيل هذه المناطق ضرورة تتجاوز الجانب البيئي لتشمل التنمية المحلية أيضاً.
خرائط رقمية وشتلات جديدة… خطة لإعادة الحياة إلى الغابات
بدأت وزارة الفلاحة التحضير للمرحلة الأصعب، وهي إعادة تأهيل المناطق المتضررة، عبر حصر دقيق للمساحات المحترقة وإعداد خرائط رقمية تحدد طبيعة الأضرار والأصناف النباتية المناسبة لكل منطقة.
وتقوم هذه العملية على اختيار أنواع الأشجار وفق خصوصيات كل موقع، باعتبار أن نجاح إعادة التشجير لا يرتبط فقط بزراعة أكبر عدد ممكن من الشتلات، بل بمدى ملاءمتها للظروف المناخية والبيئية للمنطقة.
وبعد استكمال الدراسات، سيتم المرور إلى إنتاج الشتلات وتنظيم عمليات الغراسة، في إطار برنامج يهدف إلى استعادة التوازن الطبيعي للغابات المتضررة.
مليون هكتار ملك غابي… والاستعادة تحتاج سنوات
تمثل الغابات التونسية ثروة طبيعية تمتد على نحو مليون هكتار من الملك الغابي للدولة، وهو ما يجعل المحافظة عليها واستعادتها من الأولويات الوطنية.
وأكد بن حاحا أن المناطق التي تعرضت للحرائق ستكون لها الأولوية ضمن برامج إعادة التشجير السنوية، مشيراً إلى أن استعادة الغابة لا تتم بسرعة، بل تحتاج إلى فترة لا تقل عن عامين حتى تستعيد المنظومة البيئية جزءاً من توازنها.
واستشهد المسؤول بتجربة غابة بوقرنين التي تعرضت للحريق سنة 2021، حيث بدأت تدريجياً في استعادة عافيتها، مع الحاجة إلى تدخلات فنية لمرافقة النمو الطبيعي للأشجار، مثل تخفيف كثافة الشتلات التي تنبت تلقائياً لضمان نموها بشكل سليم.
المجتمع المدني شريك… لكن ضمن رؤية علمية
في مواجهة حجم التحديات، يبقى دور المجتمع المدني مهماً في دعم جهود الدولة، غير أن عمليات التشجير لا يمكن أن تكون عشوائية، بل يجب أن تتم وفق برامج مضبوطة وتحت إشراف إدارة الغابات.
وأوضح المدير العام للغابات أن أي مبادرة في هذا المجال يجب أن تكون ضمن اتفاقيات شراكة تحدد المساحات المعنية والأصناف المناسبة من الأشجار، مع توفير الشتلات ومتابعة مراحل الغراسة وتقييم نتائجها.
ويتمثل الهدف في تحقيق نسبة نجاح لا تقل عن 80 بالمائة للأشجار المغروسة، وهو ما يتطلب تحسين جودة الشتلات واعتماد طرق غراسة أكثر نجاعة.
معركة ما بعد الحريق… اختبار لقدرة تونس على حماية ثروتها الطبيعية
تؤكد الحرائق الأخيرة أن حماية الغابات التونسية لم تعد مجرد مسألة موسمية مرتبطة بالصيف، بل أصبحت تحدياً دائماً تفرضه التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الجفاف.
وبين سرعة التدخل لإخماد النيران وطول مسار إعادة الإحياء، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل مرحلة ما بعد الحرائق إلى فرصة لإعادة بناء غابات أكثر قدرة على الصمود، عبر رؤية تجمع بين الدولة والمجتمع والخبرات العلمية، حفاظاً على واحدة من أهم الثروات الطبيعية في تونس.

