رياضة

الكنزاري وريبيرو… معركة العقول قبل معركة الأقدام

النادي الإفريقي والترجي يفتتحان عهداً جديداً... فمن ينجح في صناعة الفريق البطل؟

تدخل الكرة التونسية موسماً استثنائياً يحمل في طياته الكثير من الإثارة والترقب، بعدما قرر قطبا العاصمة، النادي الإفريقي والترجي الرياضي التونسي، فتح صفحة جديدة مع جهازيهما الفنيين من خلال التعاقد مع مدربين جديدين، في خطوة تعكس رغبة واضحة لدى إدارة كل فريق في استعادة الهيمنة المحلية والذهاب بعيداً في الاستحقاقات القارية. وبين ماهر الكنزاري الذي يقود النادي الإفريقي، والبرتغالي ريبيرو الذي يتولى تدريب الترجي الرياضي، تبدأ منذ الآن مواجهة من نوع خاص، ليست فقط بين فريقين متنافسين، بل بين فلسفتين كرويتين ورؤيتين مختلفتين في بناء فريق قادر على صناعة الألقاب.

بداية متشابهة… لكن طريق النجاح لن يكون واحداً

قد يبدو المشهد متشابهاً بين الفريقين؛ مدرب جديد، تطلعات جماهيرية كبيرة، وانتظارات لا تقبل التأجيل، لكن الحقيقة أن النجاح لن يقاس بعدد الانتصارات الأولى أو النتائج السريعة، بل بقدرة كل مدرب على قراءة فريقه قراءة صحيحة. فالتدريب في نادٍ بحجم النادي الإفريقي أو الترجي الرياضي لا يقتصر على وضع الخطط التكتيكية أو اختيار التشكيلة الأساسية، وإنما يبدأ بفهم عقلية المجموعة، واستيعاب خصوصية النادي، والتعامل مع ضغط الجماهير والإعلام، وهي عوامل قد تصنع المدرب أو تعجل برحيله.

وفي كرة القدم الحديثة، لم يعد أكثر المدربين شهرة هو بالضرورة الأكثر نجاحاً، بل أصبح النجاح مرتبطاً بمن يعرف كيف يحول الإمكانيات الموجودة إلى منظومة متكاملة، وكيف يكتشف نقاط القوة قبل البحث عن معالجة نقاط الضعف. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظر الكنزاري وريبيرو منذ الجولة الأولى.

ماهر الكنزاري… فرصة لإحياء شخصية الإفريقي

يخوض ماهر الكنزاري تجربة تحمل الكثير من التحديات مع النادي الإفريقي، لكنه في المقابل يمتلك فرصة ثمينة لإعادة الفريق إلى مكانته الطبيعية بين كبار القارة. فجماهير الأحمر والأبيض لا تنتظر فقط نتائج إيجابية، بل تبحث عن فريق يمتلك شخصية واضحة، يلعب بثقة، ويستعيد هيبته في المباريات الكبرى.

وسيكون النجاح بالنسبة للكنزاري مرتبطاً بقدرته على خلق الانسجام داخل المجموعة، والاستفادة القصوى من جودة الرصيد البشري، خاصة أن النادي الإفريقي يضم عناصر قادرة على صناعة الفارق إذا وُظفت بالشكل الصحيح. كما سيكون مطالباً بإيجاد التوازن بين القوة الهجومية والانضباط الدفاعي، لأن الفرق البطلة لا تبنى على الموهبة وحدها، وإنما على التنظيم والاستقرار الذهني قبل كل شيء.

ريبيرو… مهمة الحفاظ على زعامة الترجي وتطويرها

في الجهة المقابلة، يدخل ريبيرو إلى الترجي الرياضي وهو يدرك جيداً أن سقف الطموحات مرتفع للغاية. فالترجي لا ينافس من أجل المشاركة أو الظهور المشرف، بل يدخل كل موسم بهدف الفوز بكل البطولات الممكنة، وهو ما يجعل الضغط أكبر بكثير من أي تجربة سابقة.

وسيكون المدرب البرتغالي مطالباً بالمحافظة على شخصية الفريق المنتصر، مع إضافة لمساته الفنية الخاصة دون الإخلال بالتوازن الذي اعتاد عليه الترجي خلال السنوات الماضية. كما سيواجه تحدياً مهماً يتمثل في كيفية استثمار الإمكانيات الفردية الكبيرة الموجودة داخل الرصيد البشري وتحويلها إلى منظومة جماعية أكثر سرعة وفاعلية، خصوصاً في المسابقات القارية التي أصبحت تتطلب حلولاً تكتيكية متطورة وقدرة كبيرة على التكيف مع مختلف المنافسين.

من يفهم فريقه أولاً… يكسب نصف المعركة

التاريخ الكروي أثبت مراراً أن المدرب الذي يفرض أفكاره بسرعة ودون مراعاة خصوصية فريقه غالباً ما يصطدم بالواقع، بينما ينجح المدرب الذي يبدأ أولاً بفهم لاعبيه، ومعرفة إمكانياتهم، ثم يبني مشروعه تدريجياً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الكنزاري وريبيرو لن يكون في تغيير طريقة اللعب أو إدخال أفكار جديدة فقط، بل في معرفة ما يحتاجه كل فريق فعلاً، وما يستطيع تطبيقه على أرضية الميدان.

وقد يكون الفارق في نهاية الموسم بين النجاح والفشل مجرد قرار تكتيكي في مباراة كبيرة، أو حسن توظيف لاعب في مركزه المناسب، أو القدرة على إدارة غرفة الملابس في الأوقات الصعبة. فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الأبطال، وهي التي تمنح المدرب مكانته في ذاكرة الجماهير.

موسم يعد بالكثير… والكلمة الأخيرة ستكون للميدان

كل المؤشرات تؤكد أن الموسم الجديد سيكون من أكثر المواسم إثارة في البطولة التونسية، خاصة مع رغبة النادي الإفريقي في استعادة أمجاده، وإصرار الترجي الرياضي على مواصلة فرض سيطرته محلياً وقارياً. وستكون الأنظار موجهة في كل جولة إلى القرارات الفنية التي يتخذها الكنزاري وريبيرو، لأن المنافسة بين الفريقين لن تقتصر على عدد النقاط أو الألقاب، بل ستتحول إلى صراع يومي بين مدربين يسعيان لإثبات أن اختيارهما كان القرار الصحيح.

وفي النهاية، لن تحسم الأسماء ولا قيمة الانتدابات هذه المواجهة المنتظرة، بل سيحسمها المدرب الذي ينجح في قراءة فريقه قبل قراءة منافسيه، والذي يعرف كيف يستثمر إمكانيات لاعبيه، ويحول نقاط القوة إلى سلاح دائم، ويعالج نقاط الضعف دون أن يفقد هوية فريقه. وعندما يصل الموسم إلى محطاته الحاسمة، سيكون الميدان وحده صاحب الكلمة الفصل، ليكشف أي المشروعين كان الأقدر على الصمود، وأي المدربين استطاع أن يكتب بداية عهد جديد عنوانه النجاح والانتصارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى