العربي بن بوهالي يطرح “الخطة البديلة” لإنقاذ الاقتصاد التونسي: هل تصبح بورصة تونس بوابة الإصلاح بدل الاقتراض الخارجي؟
خبير اقتصادي يقترح إعادة توظيف السوق المالية لإنقاذ المؤسسات العمومية وتحقيق انتعاش اقتصادي

في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها تونس، ومع ارتفاع مستويات التضخم والبطالة وتفاقم أعباء الديون وضعف نسق النمو، طرح الخبير الاقتصادي التونسي العربي بن بوهالي رؤية إصلاحية تقوم على إعادة الاعتبار لدور بورصة تونس كأداة استراتيجية لتمويل الاقتصاد، معتبراً أن السوق المالية يمكن أن تمثل فرصة حقيقية لإنقاذ المؤسسات العمومية ودفع الاستثمار، بعيداً عن الارتهان الكامل إلى التمويلات الخارجية.
وأكد بن بوهالي أن تونس تمر بمرحلة اقتصادية دقيقة تتطلب البحث عن حلول مبتكرة قادرة على تعبئة الموارد الداخلية، مشيراً إلى أن الدولة، إذا اختارت عدم مواصلة التعويل على صندوق النقد الدولي والمقرضين الأجانب، فإن أمامها إمكانية بناء نموذج تمويلي بديل يعتمد على استغلال الثروة الوطنية والمؤسسات العمومية والسوق المالية.
وأضاف أن بورصة تونس يمكن أن تكون إحدى الأدوات الأساسية في هذه المرحلة، خاصة في ظل وجود مؤسسات عمومية كبرى تحتاج إلى إصلاحات عميقة بدل استمرار اعتمادها على ميزانية الدولة.
إدراج المؤسسات العمومية في البورصة… طريق نحو الحوكمة والنجاعة الاقتصادية
يرى العربي بن بوهالي أن أحد الحلول الممكنة يتمثل في إدراج عدد من المؤسسات العمومية في بورصة تونس، على غرار تجارب دولية ناجحة، خاصة التجربتين الماليزية والصينية، حيث تم اعتماد الأسواق المالية كوسيلة لإعادة هيكلة المؤسسات الكبرى وتحسين أدائها.
وأوضح أن تونس تضم حوالي 105 مؤسسات عمومية تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد الوطني، إلا أن عدداً منها أصبح يشكل عبئاً مالياً على ميزانية الدولة بسبب ضعف الحوكمة وتراكم الخسائر وغياب الإصلاحات الهيكلية.
ويعتبر الخبير الاقتصادي أن فتح رأس مال هذه المؤسسات أمام المستثمرين عبر البورصة لا يعني التفويت فيها، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لجلب تمويلات جديدة وتحسين الإدارة وتعزيز الشفافية، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للدولة.
وضرب بن بوهالي أمثلة بتجارب مؤسسات تونسية استفادت من الانفتاح على السوق المالية، مثل Magasin Général وUIB، معتبراً أن الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة يمكن أن يحولا المؤسسات العمومية إلى محركات للنمو بدل أن تكون مصادر لاستنزاف الموارد.
الاقتصاد الموازي… ثروة ضائعة يمكن أن توفر مليارات الدينارات
ومن بين الملفات التي ركز عليها العربي بن بوهالي، ملف الاقتصاد غير الرسمي الذي اعتبره أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي.
وأشار إلى أن الاقتصاد الموازي يمثل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي الحقيقي، وأن إصلاح هذا القطاع وإدماجه ضمن الدورة الرسمية يمكن أن يوفر موارد مالية ضخمة للدولة.
وحسب تقديره، فإن نجاح عملية إدماج الاقتصاد الموازي قد يسمح بتحصيل حوالي 12 ألف مليون دينار إضافية من العائدات الجبائية، وهي موارد يمكن توجيه جزء منها نحو تمويل مشاريع اقتصادية واجتماعية، وخاصة دعم العاطلين عن العمل عبر آليات تمويل جديدة.
ويرى بن بوهالي أن توفير قروض دون فوائد ودون ضمانات لهذه الفئة يمكن أن يتم عبر موارد الدولة الناتجة عن الإصلاحات الاقتصادية، بدل تحميل البنوك أعباء إضافية قد تؤثر على توازناتها المالية.
إصلاح منظومة الدعم وتحويلها إلى استثمار في الإنسان
وفي السياق ذاته، دعا الخبير الاقتصادي إلى مراجعة منظومة دعم الغذاء والطاقة، معتبراً أن جزءاً كبيراً من الدعم لا يصل بالضرورة إلى مستحقيه الحقيقيين.
وأوضح أن إصلاح هذه المنظومة يمكن أن يوفر حوالي 5 مليارات دينار من الموارد، وهي أموال يمكن إعادة توجيهها نحو برامج تنموية أكثر نجاعة، من بينها تمويل مشاريع للشباب الباحث عن العمل وتشجيع المبادرة الخاصة.
وأكد أن الهدف لا يجب أن يكون فقط تقليص النفقات، وإنما تحويل الدعم من آلية استهلاك إلى أداة إنتاج وخلق فرص اقتصادية جديدة.
دمج ملايين التونسيين في النظام البنكي لتحرير السيولة وتحريك الاستثمار
ومن بين المقترحات التي قدمها العربي بن بوهالي، العمل على إدماج المواطنين غير المرتبطين بالنظام البنكي ضمن الدورة المالية الرسمية.
وأشار إلى أن نسبة مهمة من التونسيين لا تملك حسابات مصرفية، معتبراً أن تطوير الخدمات البنكية الرقمية وMobile Banking يمكن أن يشكل مدخلاً مهماً لجذب الأموال المتداولة خارج النظام الرسمي.
وأضاف أن إدماج الأموال المتداولة في الاقتصاد الموازي داخل القطاع البنكي من شأنه أن يوفر سيولة أكبر للمؤسسات المالية، وهو ما يسمح بتمويل القطاع الخاص ودعم الاستثمار الصناعي وخلق مواطن شغل جديدة.
تراجع بورصة تونس يخفي مخاوف المستثمرين وضغوطاً اقتصادية متراكمة
وفي جانب آخر من تحليله، تطرق العربي بن بوهالي إلى الأداء الأخير لبورصة تونس، مشيراً إلى أن السوق المالية فقدت خلال الأسابيع الأخيرة أكثر من 8.5 بالمائة من قيمتها مقارنة بالمستويات القياسية التي بلغتها في بداية شهر يوليو 2026.
وأوضح أن هذا التراجع أدى إلى خسارة سوقية قدرت بحوالي 4.4 مليار دينار، وهو رقم يعادل تقريباً 2.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2025.
ويرى بن بوهالي أن هذا الانخفاض لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل هو نتيجة مجموعة من الضغوط، من بينها محدودية السيولة في القطاع البنكي، وتراجع قدرة المؤسسات المالية على التوسع في الإقراض، إضافة إلى حالة عدم اليقين التي تخيم على الاقتصاد العالمي.
كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً يمكن أن يزيد من الضغوط التضخمية، وهو ما قد ينعكس على أسعار الفائدة وعلى أرباح المؤسسات المالية المدرجة في البورصة.
موجة التصحيح بعد ارتفاع كبير… والمستثمرون يبحثون عن حماية مكاسبهم
وأوضح الخبير الاقتصادي أن مؤشر بورصة تونس حقق ارتفاعاً مهماً منذ بداية السنة، وهو ما دفع عدداً من المستثمرين إلى عمليات جني أرباح تحسباً لأي تصحيح محتمل.
وأشار إلى أن الأسواق العالمية شهدت بدورها تحركات قوية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية، خاصة مع تراجع عدد من المؤشرات العالمية.
كما أكد أن القطاع البنكي التونسي يواجه تحديات مرتبطة بالسيولة وبالقدرة على تحقيق نمو قوي، خاصة في ظل القيود المفروضة على توزيع الأرباح وضرورة الحفاظ على صلابة رأس المال.
تونس تحتاج إلى العملة الصعبة أكثر من حاجتها إلى ضخ الدينار
وفي خلاصته، شدد العربي بن بوهالي على أن التحدي الأساسي أمام الاقتصاد التونسي لا يتمثل فقط في توفير السيولة المحلية، وإنما في جذب العملة الصعبة وتحسين القدرة على تمويل الواردات الأساسية.
وقال إن تونس تحتاج إلى ما يشبه “خطة مارشال مصغرة” بحزمة تمويل لا تقل عن 3 مليارات دولار، موضحاً أن طباعة العملة المحلية لا يمكن أن توفر النفط أو الغاز أو المواد الأولية التي يحتاجها الاقتصاد.
وأكد أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يقوم على جذب الاستثمارات، تقوية المؤسسات، تطوير الصادرات، وتحسين قدرة الاقتصاد على خلق الثروة.
بورصة تونس كرافعة للنمو… خيار استراتيجي لبناء اقتصاد أكثر قوة
وختم العربي بن بوهالي رؤيته بالتأكيد على أن بورصة تونس والمؤسسات العمومية يمكن أن تتحولا إلى رافعة أساسية للنمو الاقتصادي إذا تم استغلالهما ضمن استراتيجية واضحة تقوم على الإصلاح والحوكمة والشفافية.
ويرى أن الجمع بين إصلاح الاقتصاد الموازي، تحسين الموارد الجبائية، إعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتوسيع قاعدة الاستثمار يمكن أن يساعد تونس على خفض التضخم، تحسين التصنيف الائتماني، تقوية الدينار، وخلق آلاف مواطن الشغل.
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن هذه المقاربة يمكن أن تحقق مكاسب مشتركة للدولة والبنوك والمؤسسات والمواطنين، وتساهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق نمو يتجاوز نسق التضخم.




