وطنية

ياسين سلامة: حرائق الغابات في تونس لم تعد أزمة موسمية… بل تهديد للأمن القومي يستوجب ثورة في إدارة المخاطر

صيف 2026 يكشف هشاشة المنظومة البيئية ويفرض مراجعة شاملة لسياسات الوقاية

لم تعد حرائق الغابات التي شهدتها تونس خلال صيف 2026 مجرد أخبار موسمية تتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى ناقوس خطر يدق بقوة معلنا دخول البلاد مرحلة جديدة من التحديات البيئية والمناخية. فالمساحات الشاسعة التي التهمتها النيران، والخسائر المسجلة في الثروة الغابية، أعادت إلى الواجهة أسئلة ملحة حول مدى جاهزية الدولة لمواجهة الكوارث الطبيعية، وحول مستقبل الغابات التونسية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

وفي قراءة تحليلية لهذه التطورات، أكد الأستاذ الجامعي الدكتور ياسين سلامة أن ما عاشته تونس خلال الأيام الأخيرة لا يمكن اختزاله في مجرد احتراق أشجار أو ضياع مساحات خضراء، بل يتعلق بقضية تمس الأمن البيئي والأمن الغذائي والتوازن المناخي، بل وحتى الأمن الاقتصادي والاجتماعي، باعتبار أن الغابات تمثل ثروة وطنية استراتيجية تؤدي وظائف حيوية لا يمكن تعويضها بسهولة.

الغابة ليست مجرد أشجار… بل منظومة حياة كاملة

يرى ياسين سلامة أن الغابات التونسية تؤدي أدوارا تتجاوز بعدها الجمالي والطبيعي، فهي تحافظ على التنوع البيولوجي، وتحمي التربة من الانجراف، وتغذي الموائد المائية، وتمتص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، فضلا عن كونها موردا اقتصاديا وسياحيا تستفيد منه آلاف العائلات.

ويؤكد أن ما شهدته البلاد خلال صيف 2026، الذي تميز بموجات حر استثنائية تجاوزت في بعض المناطق 49 و50 درجة مئوية، يكشف بوضوح أن تونس أصبحت تواجه واقعا مناخيا جديدا يفرض التخلي عن الأساليب التقليدية في إدارة المخاطر البيئية واعتماد مقاربات أكثر تطورا واستباقية.

أرقام صادمة… ارتفاع الحرائق بنسبة 63 بالمائة

استنادا إلى المعطيات الرسمية، يبرز ياسين سلامة حجم التحدي الذي تواجهه تونس، موضحا أن الحرائق أتلفت إلى حدود 23 جويلية 2026 حوالي 4400 هكتار من الغابات والمناطق الشجرية، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تناهز 63 بالمائة.

كما تم تسجيل 75 حريقا بالغابات و108 حرائق بالمناطق الشجرية، إضافة إلى مئات التدخلات التي قامت بها الحماية المدنية، بمساندة الجيش الوطني والطيران العسكري، وهو ما يؤكد أن البلاد أصبحت أمام تحد استراتيجي وليس مجرد أحداث ظرفية.

أربعة أسباب رئيسية تقف وراء تكرار الكارثة

ويشدد الأستاذ الجامعي على أن تفسير تكرار الحرائق لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل أربعة عناصر أساسية.

العامل الأول يتمثل في التغيرات المناخية التي رفعت درجات الحرارة وأطالت فترات الجفاف، مما جعل الغابات أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال.

أما العامل الثاني فهو العامل البشري، إذ تشير أغلب الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الحرائق ترتبط بالإهمال أو بإشعال النيران داخل الغابات أو بحرق الفضلات أو بعض الأنشطة الفلاحية، إضافة إلى وجود شبهات حول حرائق مفتعلة يبقى الفصل فيها من اختصاص القضاء.

أما السبب الثالث، فيكمن في هشاشة منظومة الوقاية، من خلال تأخر تنظيف المسالك الغابية وإزالة الأعشاب الجافة وصيانة الخنادق الوقائية، وهو ما يساهم في سرعة انتشار النيران.

أما العامل الرابع، فيتمثل في تغير طبيعة المخاطر نفسها، حيث لم تعد حرائق الغابات أحداثا موسمية عابرة، وإنما أصبحت جزءا من التحولات المناخية العالمية، وهو ما يفرض تغيير طرق التخطيط وأساليب التدخل التي تعود إلى عقود مضت.

الكفاءات موجودة… لكن الإمكانيات لم تعد كافية

ورغم إشادته بالدور الكبير الذي قامت به الحماية المدنية والإدارة العامة للغابات والجيش الوطني والوحدات الأمنية، يؤكد ياسين سلامة أن الإمكانيات الحالية لم تعد تتناسب مع حجم المخاطر الجديدة.

ويشير إلى أن تونس تمتلك كفاءات بشرية عالية المستوى، لكنها تحتاج إلى انتدابات جديدة وتجهيزات حديثة، وفي مقدمتها طائرات “كانادير” المتخصصة في إخماد الحرائق، إلى جانب الاستثمار في الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار والذكاء الاصطناعي وأنظمة الإنذار المبكر.

ويعتبر أن تراجع عدد أعوان الغابات من حوالي 800 عون سنة 2000 إلى نحو 260 عونا فقط سنة 2026 يمثل أحد أبرز نقاط الضعف، خاصة بالنظر إلى اتساع الرقعة الغابية التي يفترض تأمينها ومراقبتها.

هل خسرت تونس غاباتها إلى الأبد؟

يجيب ياسين سلامة بأن الخسارة حقيقية، لكنها ليست بالضرورة نهائية.

فالغابة ليست مجرد أشجار يمكن تعويضها بسهولة، بل هي نظام بيئي متكامل يضم النباتات والحيوانات والتربة والمياه والتنوع البيولوجي، وبالتالي فإن احتراقها يمثل خسارة كبيرة.

غير أن بعض الغابات تمتلك قدرة طبيعية على التجدد إذا توفرت الحماية اللازمة، في حين تحتاج المناطق الأكثر تضررا إلى برامج علمية طويلة المدى لإعادة التأهيل، تقوم على استعادة النظام البيئي كاملا، وليس مجرد غرس عدد كبير من الأشجار.

المسؤولية مشتركة… لكن بدرجات متفاوتة

ويؤكد الأستاذ الجامعي أن حماية الغابات ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتوزع بين مختلف الأطراف.

فالدولة مطالبة بالتخطيط والتمويل والتشريع والتنسيق بين المؤسسات، بينما تضطلع الإدارة بمهام الاستعداد المسبق وصيانة المنشآت الوقائية والتكوين المستمر.

أما المواطن، فيتحمل مسؤولية احترام القوانين، وعدم إشعال النيران، والتبليغ الفوري عن أي حريق، فيما يضطلع المجتمع المدني بدور محوري في التوعية وحملات التشجير، بينما تبقى وسائل الإعلام مطالبة بترسيخ الثقافة البيئية ونشر الوعي بخطورة هذه الظاهرة.

مراجعة القوانين أصبحت أولوية وطنية

ويعتبر ياسين سلامة أن مجلة الغابات في حاجة إلى مراجعة شاملة تواكب التغيرات المناخية، مع تشديد العقوبات ضد المتسببين عمدا في إشعال الحرائق، معتبرا أن هذه الجرائم ترقى إلى مستوى “الإرهاب البيئي” لما تلحقه من أضرار جسيمة بالثروة الوطنية.

كما يدعو إلى حماية المناطق المتضررة من الاستغلال العشوائي ومنع تحويلها إلى مشاريع عمرانية بعد احتراقها، إلى جانب توسيع استخدام الوسائل الرقمية في مراقبة الغابات وإثبات المخالفات.

ثمانية أولويات لإنقاذ الغابات التونسية

وفي ختام تحليله، يقترح ياسين سلامة خارطة طريق تقوم على ثماني أولويات أساسية، تتمثل في إعداد استراتيجية وطنية دائمة لمواجهة حرائق الغابات، وتعزيز الموارد البشرية للإدارة العامة للغابات، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتوظيف الأقمار الصناعية والطائرات المتخصصة، وإشراك المواطنين وسكان المناطق الغابية في الوقاية، واعتماد برامج علمية لإعادة تأهيل الغابات وتكوين الأعوان، وإجراء تقييم سنوي لمنظومة الوقاية والتدخل، إلى جانب مراجعة التعيينات على مختلف المستويات لضمان وضع الكفاءات المناسبة في مواقع القرار.

ويختتم سلامة رسالته بالتأكيد على أن حرائق الغابات لم تعد مجرد ظاهرة صيفية عابرة، بل أصبحت تحديا وطنيا شاملا يفرض على تونس الانتقال من سياسة رد الفعل إلى ثقافة الاستباق، لأن حماية الغابات اليوم ليست حماية للأشجار فقط، بل هي حماية للأمن القومي، وللتنمية المستدامة، ولمستقبل الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى