كمال بن منصور يحسم الجدل: «لا وجود للزواج العرفي في تونس».. وعدول الإشهاد يلوّحون بالتصعيد

أعاد الجدل حول ما يُعرف بـ«الزواج العرفي» في تونس طرح أسئلة قانونية واجتماعية حساسة، بعد تصريحات أثارت ردود فعل واسعة في صفوف عدول الإشهاد، وسط تأكيدات من أهل الاختصاص بأن المنظومة القانونية التونسية لا تتضمن أصلاً صيغة قانونية مستقلة تسمى «الزواج العرفي».
وفي هذا السياق، خرج رئيس لجنة متابعة قوانين عدول الإشهاد، الأستاذ كمال بن منصور، لتوضيح المسألة من زاوية قانونية، مؤكداً أن القانون التونسي لا يعترف إلا بالزواج المدني المستجيب للصيغ القانونية والموثق رسمياً، وأن أي اقتران يتم خارج الإطار الذي حدده القانون لا يمكن تقديمه باعتباره شكلاً آخر من أشكال الزواج المعترف بها.
كمال بن منصور: القانون لا يعترف إلا بزواج مدني قانوني
وقال كمال بن منصور، خلال مداخلة هاتفية في برنامج «صباح الورد» على «الجوهرة أف أم»، إن القانون التونسي يعتمد صيغة واحدة للزواج المدني القانوني، يتم تحريره وتوثيقه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
وأوضح أن الحديث عن «عقود زواج عرفية» أو «زواج شفاهي» باعتبارها صيغاً يمكن أن تكون لها قيمة قانونية مستقلة في تونس، يمثل، وفق تقديره، استعمالاً لمصطلحات غير موجودة ضمن المنظومة التشريعية التونسية.
وشدد على أن الاقتران خارج الأطر التي يفرضها القانون لا يصنف كـ«زواج عرفي» معترف به، وإنما يمكن أن يندرج قانوناً ضمن التزوج على خلاف الصيغ القانونية، وهي مسألة مختلفة تماماً من الناحية القانونية عن وجود مؤسسة زواج عرفي معترف بها.
من «الزواج العرفي» إلى التزوج على خلاف الصيغ القانونية
وتكمن أهمية هذا التوضيح في أن استعمال مصطلح «الزواج العرفي» قد يوحي بوجود صيغة زواج موازية للزواج المدني، وهو ما ينفيه بن منصور بالنسبة إلى القانون التونسي.
فالمسألة، وفق هذا الطرح، لا تتعلق بوجود زواج ثانٍ له قواعده الخاصة، وإنما باحترام الصيغ التي حددها المشرّع لإبرام الزواج وتوثيقه وإثباته.
وبالتالي، فإن أي علاقة أو اقتران يتم خارج تلك الإجراءات لا يتحول تلقائياً إلى «زواج عرفي» له اعتراف قانوني، بل تطرح بشأنه المسؤوليات والآثار القانونية التي يحددها التشريع.
تصريحات راضية الجربي تشعل غضب عدول الإشهاد
وجاء تصريح بن منصور في أعقاب الجدل الذي أثارته تصريحات رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، راضية الجربي، خلال ندوة إعلامية، والتي تناولت موضوع ما وصف بعقود الزواج العرفية أو الشفاهية.
وأثارت هذه التصريحات، وفق ما أورده بن منصور، موجة من الغضب والردود في صفوف عدول الإشهاد، الذين اعتبروا أن ما تم تداوله يتضمن خلطاً بين المفاهيم الاجتماعية والقانونية، ويمكن أن يؤدي إلى تضليل الرأي العام بشأن طبيعة الزواج في تونس.
وبن منصور، الذي تحدث ممثلاً عن جمعية التعاون والنهوض بعدالة الإشهاد، اعتبر أن الزج بسلك عدول الإشهاد في هذا الملف غير مبرر، مؤكداً أن العدول يمارسون دوراً قانونياً محدداً في تحرير العقود وتوثيقها وفق الضوابط المعمول بها.
عدول الإشهاد يرفضون «تحميلهم مسؤولية» عقود غير قانونية
كما انتقد بن منصور ما وصفه بمحاولات إقحام سلك عدول الإشهاد أو الدعوة إلى مراقبته في سياق الحديث عن عقود لا تستجيب للصيغ القانونية.
وأكد أن قطاع عدول الإشهاد، الذي يضم مئات العدول، يتمسك بدوره الرسمي في تحرير العقود بكل دقة وحياد، معتبراً أن تحميل هذا القطاع مسؤولية ممارسات تتم خارج الإطار القانوني أمر غير مقبول.
ويطرح هذا الجانب من القضية سؤالاً مهماً حول حدود مسؤولية عدل الإشهاد: فدوره، بحسب ما يؤكده بن منصور، يتمثل في تحرير وتوثيق العقود التي تدخل ضمن اختصاصه واحترامه للقانون، وليس إضفاء الشرعية على علاقات أو اتفاقات تتم خارج الإطار القانوني.
تصعيد مرتقب.. ومطالب بمقاضاة رئيسة اتحاد المرأة
ولم يتوقف رد الفعل عند حدود الاستنكار، إذ تحدث بن منصور عن وجود تحرك من قبل عدد من عدول الإشهاد للمطالبة بمقاضاة رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، رداً على ما اعتبروه مغالطات تمس القطاع ومؤسسات الدولة.
وإذا تحولت هذه المطالب إلى إجراءات قضائية فعلية، فإن الجدل قد ينتقل من السجال الإعلامي إلى المسار القانوني، بما يفتح الباب أمام القضاء لتحديد المسؤوليات وتقييم التصريحات محل الخلاف.
جدل قانوني يتجاوز المصطلحات
وبعيداً عن التجاذب بين الأطراف، تكشف هذه القضية عن أهمية الدقة في استعمال المصطلحات القانونية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالزواج والأسرة، وهي مجالات تمس الحياة الشخصية للمواطنين بصورة مباشرة.
فبين «الزواج العرفي» كمصطلح متداول في عدد من المجتمعات العربية، وبين الوضع القانوني في تونس، توجد فروق تشريعية لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن نقل مفاهيم قانونية من بيئة تشريعية إلى أخرى قد يؤدي إلى نتائج مضللة إذا لم تتم مراعاة خصوصية كل منظومة قانونية.
ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية التي يوجهها بن منصور تتمثل في أن الزواج في تونس ليس مجالاً مفتوحاً لصيغ موازية للزواج المدني، وأن أي علاقة تدّعي صفة الزواج خارج الإجراءات التي يفرضها القانون تطرح نفسها أولاً كمسألة قانونية تحتاج إلى التكييف الصحيح، وليس باعتبارها «زواجاً عرفياً» قائماً بذاته.




